لست بحاجة للدخول في تفسيرات أسباب الخلافات بين ايران والولايات المتحدة منذ نشوب الثورة الايرانية 1979، لكن هذا الخلاف دفع الولايات المتحدة باتجاه تبني استراتيجيات متنوعة من مبدأ كارتر 1980 الى الاحتواء المزدوج الى السعي لتغيير النظام …الخ، وكل هذه الاستراتيجيات تم بناؤها على اساس تطويق الثورة الايرانية، ومن ضمن آليات التطويق التواجد العسكري حولها، وهنا يُطل علينا سؤال استراتيجي هو:
لإيران حدود برية مع ست دول غير عربية، هي تركيا وأرمينيا وأذربيجان وتركمانستان وأفغانستان وباكستان، ويبلغ مجموع طول حدود هذه الدول غير العربية مع ايران حوالي أربعة آلاف و 259 كيلو متر، وهو ما يعادل حوالي 3 أضعاف طول الحدود البرية مع العراق(الحدود البرية الوحيدة مع العرب)، فلماذا لا يوجد في الدول الست غير العربية قواعد عسكرية أمريكية باستثناء تركيا (التي فيها قاعدة أنجرليك ومحطة أزمير ومنشأة الرادار في كوريجيك) التي لا يمكن فصل الوجود الأمريكي فيها عن عضويتها في الناتو السابقة على الثورة الايرانية بحوالي 27 سنة، وارتبط بعضوية اليونان في الحلف ذاته بحكم التنافس بينهما، كما أن هذا الوجود العسكري الأمريكي في تركيا بقي بعيدا عن الانخراط المباشر والمعلن في الصراع مع ايران رغم بعض الشكوك في هذا الجانب، اضافة الى حرص تركيا على عدم التورط في الصراع مع ايران رغم ما يفرقهما “مذهبيا، وقربا من الولايات المتحدة، وخلافا حول الصراع الأرمني الأذربيجاني..الخ، وما يجمعهما من موقف من اسرائيل أو من محاصرة النزوع الانفصالي للأكراد …الخ.
كذلك هناك تعاون عسكري أمريكي (تدريب وغيره) مع أرمينيا، وتعاون أمني مع باكستان، وتعاون عسكري أمريكي مع أذربيجان، لكن لم يتم استخدام أي من هذه الجوانب للهجوم على إيران إلا من الطرف العربي..لماذا؟
قد يقول البعض هناك فرق بين “التعاون العسكري” ووجود القواعد والمنشآت العسكرية، لكن القيمة الاستراتيجية لهذه الدول غير العربية كبيرة في إطار تطويق ايران، فلماذا لا يتم استخدام أراضي هذه الدول لإحكام التطويق؟ هل الأمر مرتبط بدرجة استقلالية القرار؟ سؤال مطروح. أن القيمة الاستراتيجية لأذربيجان وتركمانستان وباكستان وأفغانستان كبيرة جدا بالنسبة لإيران، فلماذا لا تتم الهجمات الا من الأرض العربية؟ وبالقياس فان بعض القواعد العسكرية الايرانية وبعض المنشآت النووية الإيرانية هي أقرب لبعض هذه الدول غير العربية منها للدول العربية، فلماذا تتم مهاجمة هذه القواعد الايرانية من الأرض العربية فقط؟ فتبريز التي فيها قاعدة جوية تبعد اقل من ألف كيلومتر عن أنجرليك التركية، ناهيك عن أن في تركيا منشآت تابعة مباشرة للناتو مثل رادار كوريجيك.، لكن الضرورة تقتضي الاشارة الى ان أنجرليك تعد منشأة تركية، وهناك ترتيب ثنائي مع أمريكا يجعل القاعدة تحت السيادة التركية لا الأمريكية…وهو أمر هام عند المقارنة مع الوجود الامريكي عند “بعض العرب”.
ومع أن قاعدة أنجرليك تم استخدامها ضد العراق خلال الحرب الأمريكية العراقية وخلال الحرب على افغانستان، فلماذا لا يتم استخدامها ضد ايران؟ لأن مصلحة تركيا لا تسمح بذلك بينما كانت تسمح قبل ذلك لاستخدامها في العراق وأفغانستان..هنا تتضح تغليب المنظور الوطني وسيادة القرار.
ولعل مثال افغانستان (لها حدود مشتركة مع إيران تصل الى 921 كيلومتر) يوضح الفكرة اكثر، فقد احتل الأمريكيون افغانستان، ونصبوا فيها سلطة كالعراق، لكن الأفغان استمروا في القتال وطردوا أمريكا منها وبكيفية هزت المكانة الأمريكية تماما ، بينما استقرت القواعد الأمريكية في العراق، وما زال الوزن الأمريكي في القرار العراقي كبيرا، لماذا؟
قد يرى البعض أن للخليج أهمية كبيرة في المنظور الأمريكي، وهذا صحيح، ولكن أليس لتلك الدول غير العربية أهمية كبيرة أيضا، فلماذا لا يوجد في خمس من أصل ست دول قواعد أمريكية، ولم تستخدم أراضيها للهجوم على ايران بما فيها التي فيها قواعد امريكية(تركيا)؟ لننظر واحدة واحدة:
1- تركيا مهمة لأمريكا: تمثل الجناح الجنوبي الشرقي للناتو، تتشارك مع روسيا في البحر الأسود، وهي تطل على شرق المتوسط والشرق الأوسط وطريق هام لنقل الطاقة لأوروبا ولإسرائيل.
2- أذربيجان :لها حدود مباشرة مع إيران، تتشارك مع إيران في بحر قزوين، متصلة جغرافيا بتركيا، هي من أهم دول القفقاس في مصادرها النفطية بخاصة لإسرائيل وأوروبا، بل كانت موقع دعم لوجستي كبير لأمريكا خلال الحرب الأفغانية، وساهمت الولايات المتحدة معها في بناء خط نقل الطاقة باكو-تبليسي –جيهان.
3- باكستان: فإضافة لحدودها مع ايران تصل الى 900 كيلو، فأنها نقطة للاحتكاك مع إيران من جانبها الجنوبي الشرقي. ناهيك عن أهميتها أنها تطل على بوابة مضيق هرمز من ناحية إقليم بلوشستان من ساحل مكران.
4- أفغانستان تقف بعيدا عن أمريكا منذ 2021
5- تركمانستان: لها حدود برية طويلة مع إيران(1148 كم) وهي الأطول بين الدول غير العربية، وفيها احتياطيات ضخمة من الغاز ناهيك عن موقعها على بحر قزوين، لكنها تصر على التزام الحياد في الصراع مع ايران.
6- أرمينيا: أقل أهمية من الدول الخمس الأخرى، وهي أقرب لإيران من غيرها
إن تغليب “أمن النظم” على أمن المجتمع والدولة يجعل القرار السياسي أقل استقلالية، ويكفي الاشارة الى أن هذا الاستنتاج يتبناه مجلس الشؤون الخارجية الأمريكي في يونيو 2026 في دراسة له تحت عنوان:
The limitations of Hard Power in Iran وتقول الدراسة:
” لا يشعر حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة بالرضا لكونهم ضحايا جانبيين، لا سيما وأن الاتفاق الأمني يبدو الآن أقل رسوخًا مما كان يُعتقد، وهو ما يذكر بما جرى عام ٢٠١٩، عندما هاجمت فيها إيران منشآت أرامكو، ولم ترد الولايات المتحدة عليها، مما أحدث صدمة في أرجاء السعودية. ومؤخرًا، مال الرئيس ترامب إلى التقليل من شأن هجمات إيران على مصالح غير أمريكية في الخليج، مما أثار مخاوف من أن الشراكة مع الولايات المتحدة تزيد من خطر تعرضهم لهجوم في الوقت الذي قد يتراجع فيه التزام الولايات المتحدة بأمنهم، ونتيجةً لذلك، قد تخرج الولايات المتحدة من هذه الحرب وهي تواجه احتمال تقلص حقوقها في استخدام قواعدها العسكرية، ولجوء حلفائها القدامى إلى التحوط، سواءً بدعوة قوى أخرى مثل روسيا والصين، أو بعقد اتفاقيات خاصة مع إيران تضمن أمنها على حساب مصالح الولايات المتحدة ونفوذها”، وهنا نسأل :هل هذا مطروح في دوائر القرار العربي؟ أم أن حليمة تصر على عادتها القديمة.
أن الربط بين وجود القواعد والخضوع لأصحاب القواعد أمر لم نجده في تركيا مثلا، ففي عام 2003 رفض البرلمان التركي السماح للقوات الأمريكية بفتح جبهة ضد العراق من أراضيه، كما أن أذربيجان –رغم علاقاتها القوية مع أمريكا واسرائيل، ورغم علاقاتها المتوترة مع ايران لأسباب تاريخية إلا أنها رفضت وجود قواعد أمريكية لأنها ترى امكانية وجود بدائل لعلاقاتها الدولية إذا أصرت أمريكا على “لجم سيادتها”.
ذلك يعني أن من حق أي دولة أن تتعامل مع الدول الأخرى للحفاظ على أمنها، ولكن ليس كل تعاون يجب أن ينتهي لأجاد قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، وإذا اقتضى الأمر وجود قواعد، فليس بالضرورة أن تصبح السيادة على القاعدة للدولة الأجنبية وتتصرف منها كما تشاء، وإذا تصرفت لا بد من ضوابط وتحديد الفوائد التي تعود على الدولة المستضيفة للقاعدة. فتركيا فيها قواعد ولم تستخدم في المشهد الايراني، وباكستان ضيقت حدود استعمال أراضيها في مراحل سابقة، وأذربيجان تصرفت بحذر شديد مع فكرة وجود قواعد، وتركمانستان رفضت وبشكل صريح؟ ولعل “تذويت”(Internalization ) الأهداف الأمريكية في السياسات الخارجية لدول المنطقة هو ما جلب الضرر نتيجة استراتيجية تغليب أمن النظم على أمن المجتمع والدولة، فإذا أصبح وجود القواعد جاذبا للأضرار فما نفع وجودها؟ إنها أسئلة بحاجة للمناقشة بعيدا عن اي انفعال..ربما.


