سيد أحمد أقومي.. ستة عقود من الفن الذي تجاوز حدود الجزائر

رحل اليوم الفنان الجزائري القدير سيد أحمد أقومي، واسمه الحقيقي أحمد مزيان، تاركًا وراءه مسيرة فنية امتدت لأكثر من ستة عقود، كان خلالها واحدًا من أبرز الوجوه التي صنعت حضور المسرح والسينما والتلفزيون الجزائري، وأسهمت في نقل صورة الفنان الجزائري إلى الفضاء العربي والدولي.
برحيله، لا تفقد الجزائر مجرد ممثل صاحب حضور مميز، وإنما تودّع واحدًا من جيل الفنانين الذين ارتبطت تجربتهم بمراحل أساسية من تاريخ الفن الجزائري، منذ سنوات الاستقلال الأولى وصولًا إلى أجيال جديدة من السينمائيين والممثلين.
ولد سيد أحمد أقومي سنة 1940 بالجزائر العاصمة، وبدأ مسيرته الفنية في ستينيات القرن الماضي، في مرحلة كانت فيها الجزائر المستقلة تبحث عن بناء مؤسساتها الثقافية والفنية، وتأسيس سينما ومسرح يحملان ذاكرة المجتمع وتطلعاته الجديدة.
وخلال هذه المسيرة الطويلة، استطاع أقومي أن يفرض اسمه ممثلًا قادرًا على الانتقال بين المسرح والسينما والتلفزيون، وأن يترك بصمته في أكثر من 50 عملًا سينمائيًا وتلفزيونيًا، إضافة إلى حضوره في أعمال مسرحية وتلفزيونية ظلت حاضرة في ذاكرة الجمهور.
من الشاشة الجزائرية إلى السينما العربية والعالمية
كان حضور سيد أحمد أقومي السينمائي جزءًا من مرحلة مهمة في تاريخ السينما الجزائرية، وهي المرحلة التي بدأت فيها الأفلام الجزائرية تفرض نفسها خارج الحدود، وتدخل فضاء السينما العربية والعالمية، مستفيدة من القضايا التاريخية والإنسانية الكبرى التي حملتها تلك الأعمال.
ومن أبرز الأعمال التي ارتبط بها اسمه فيلم «زاد» (Z) سنة 1969، و*«الثائرون»* في السنة نفسها، ثم «الطاحونة» سنة 1983، إلى جانب مشاركته في أعمال سينمائية وتلفزيونية أخرى.
غير أن حضور “أقومي” لم يكن محصورًا في عدد الأفلام التي شارك فيها، بل في طبيعة المرحلة التي عاصرها، وفي قدرته على أن يكون جزءًا من تجربة سينمائية جزائرية كانت تتحرك بين المحلي والإنساني، وبين الذاكرة الوطنية، والأسئلة التي تشغل الجمهور العربي والدولي.
“وقائع سنين الجمر”.. عمل في الذاكرة السينمائية
ويرتبط اسم سيد أحمد أقومي أيضًا بأحد أبرز الأفلام في تاريخ السينما الجزائرية، وهو «وقائع سنين الجمر» للمخرج محمد لخضر حامينة، الفيلم الذي فاز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي سنة 1975.
كان الفيلم محطة بارزة في مسار السينما الجزائرية، ليس فقط لأنه تناول سنوات مفصلية من التاريخ الجزائري، وإنما لأنه جعل التجربة الجزائرية تصل إلى جمهور عالمي واسع، وأكد أن السينما القادمة من الجزائر قادرة على طرح تاريخها وأسئلتها بلغة فنية تتجاوز الحدود.
وفي هذا السياق، يصبح حضور أقومي جزءًا من جيل من الفنانين الذين حملوا أدوارًا في أعمال لم تعد ملكًا للذاكرة الجزائرية وحدها، وإنما دخلت أيضًا إلى سجل السينما العربية والعالمية.
فنان في أكثر من فضاء
لم يكن المسرح بالنسبة إلى سيد أحمد أقومي مجرد بداية لمساره، بل ظل أحد الفضاءات الأساسية التي تشكلت فيها تجربته الفنية. ومن خشبة المسرح إلى الشاشة، حافظ على حضور الممثل الذي يتعامل مع الشخصية باعتبارها بناءً فنيًا وإنسانيًا، وليس مجرد مساحة للظهور.
ثم جاء التلفزيون ليمنحه حضورًا أوسع لدى الجمهور، خصوصًا من خلال مشاركته في أعمال ومسلسلات وصلت إلى شرائح مختلفة من المشاهدين، ومن بينها “جمعي فاميلي” و”السلطان عاشور العاشر”.
وهكذا استطاع الفنان الراحل أن يعبر بين أجيال متعددة من الجمهور، من المشاهد الذي عرفه في الأعمال السينمائية القديمة، إلى جيل جديد تعرف إليه عبر التلفزيون والأعمال الكوميدية والدرامية الحديثة.
عطاؤه لم يكن جزائريًا فقط
ولعل أحد الجوانب المهمة في تجربة سيد أحمد أقومي هو أن مساره لم يتوقف عند حدود الجغرافيا الجزائرية. فقد جاء عطاؤه في سياق سينمائي وفني كانت فيه الجزائر جزءًا من حركة ثقافية عربية أوسع، وكانت السينما الجزائرية نفسها تتفاعل مع السينما العربية والأفريقية والمتوسطية والعالمية.
ومن هنا يمكن قراءة تجربته باعتبارها جزءًا من جيل فني جزائري أسهم في حضور الجزائر داخل المشهد الثقافي العربي، سواء من خلال الأعمال السينمائية ذات الانتشار الدولي، أو عبر الشخصيات والأدوار التي جسدها، أو من خلال تراكم تجربته التي جعلته واحدًا من الوجوه المعروفة لدى جمهور عربي واسع.
لقد كان أقومي من الفنانين الذين لم يفصلوا بين انتمائهم إلى الفن الجزائري وانفتاحهم على الفضاء الفني الأوسع؛ فالجزائري في تجربته لم يكن نقيضًا للعربي، والخصوصية الوطنية لم تكن عائقًا أمام الوصول إلى الجمهور خارج الحدود.
ستة عقود بين الأجيال
امتدت تجربة سيد أحمد أقومي لأكثر من ستة عقود، وهي فترة نادرة في حياة الفنان. عاصر خلالها تحولات كبرى عرفتها الجزائر، وتبدلت خلالها لغة المسرح والسينما والتلفزيون، وتغيرت أذواق الجمهور ووسائل الإنتاج والتلقي، ومع ذلك، ظل حاضرًا.
وهذه ربما إحدى أهم سمات مسيرته: الاستمرارية. فقد استطاع أن ينتقل من جيل إلى جيل دون أن يصبح أسير مرحلة فنية واحدة، وأن يجد لنفسه مكانًا في أعمال تنتمي إلى أزمنة مختلفة.
ولهذا لم يكن رحيله حدثًا يخص جيلًا بعينه؛ فالفنان الذي بدأ في ستينيات القرن الماضي ترك أثره لدى أجيال تعاقبت على مشاهدة أعماله.
الرئيس أول المعزين
وقد عكست التعازي الرسمية حجم المكانة التي كان يحظى بها الفنان الراحل، فقد تقدم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بتعازيه إلى عائلة أحمد مزيان، المعروف فنيًا بسيد أحمد أقومي، وإلى الأسرة الثقافية والفنية، مستذكرًا مسيرته الطويلة وحضوره في السينما والتلفزيون والمسرح، وواصفًا إياه بالممثل المقتدر والمثقف الغيور على الثقافة الوطنية وأصالة الفن الجزائري.
وقد أشار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في رسالة تعزيته إلى عائلة الفنان الراحل، إلى حضوره في أكثر من خمسين فيلمًا وعملًا سينمائيًا وتلفزيونيًا محليًا وعالميًا، مستحضرًا على وجه الخصوص مشاركته في فيلمي «Z» و«وقائع سنين الجمر»، وهو ما يعكس مكانة الرجل في الذاكرة السينمائية الجزائرية.
كما نعت وزارة الثقافة والفنون الراحل، مؤكدة أن مسيرته الفنية امتدت لأكثر من ستة عقود، وأنه ظل وفيًا لفنه، حاضرًا في محطات بارزة من مسيرة الإبداع الجزائري.
أما الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، فاعتبر أن الساحة الفنية الجزائرية فقدت برحيله قامة تركت أثرًا في وجدان الجمهور، ومسيرة جعلت من الركح والشاشة فضاء للعطاء والتعبير.
ذاكرة فنان لا تنتهي برحيله
يرحل الفنان، لكن أدواره لا ترحل بالضرورة معه، فالأفلام التي شارك فيها سيد أحمد أقومي ستظل جزءًا من أرشيف السينما الجزائرية، والشخصيات التي جسدها ستواصل حياتها أمام أجيال جديدة قد تكتشفه للمرة الأولى عبر شاشة أو منصة رقمية.
وهنا تكمن قيمة الفنان الذي استطاع أن يعبر الزمن: أن تتحول أعماله من مجرد مشاركات في أفلام ومسلسلات إلى جزء من الذاكرة الثقافية.
رحل سيد أحمد أقومي بعد أكثر من ستين عامًا من العطاء، لكنه ترك وراءه مسارًا يختصر جانبًا مهمًا من تاريخ الفن الجزائري الحديث، ويشهد على جيل من الفنانين الذين حملوا الجزائر معهم إلى خشبات المسرح وشاشات السينما والتلفزيون، وأسهموا في جعل الفن الجزائري حاضرًا في المشهد العربي والدولي.

Share this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *