استراتيجية زيلينسكي هي انتحار وطني

جوليا مندل*

​بالنسبة للأمريكيين الذين يتابعون الحرب الروسية-الأوكرانية، لا بد أن الأشهر القليلة الماضية بدت غريبة جداً. في النصف الأول من الصيف، كانت الرواية القادمة من كييف – ومن العديد من وسائل الإعلام الغربية التي كررتها – هي أن أوكرانيا تنتصر. ثم، وبعد فترة وجيزة من قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في جويلية، أعلنت كييف أنها تفتقر إلى الصواريخ الاعتراضية لمنع كارثة الشتاء. قيل لنا إن البلاد بحاجة إلى 300 صاروخ لتتمكن من البقاء. وحتى لو وصلت هذه الصواريخ الـ300، فمن غير المرجح أن تحمي بلداً بكبر أوكرانيا من الحجم الهائل للهجمات البالستية وضربات القنابل الانزلاقية الروسية. والآن نحن في سبتمبر، وتقول أوكرانيا إنها تواجه عجزاً قدره 27 مليار دولار في تمويل الدفاع. يبدو أن هناك فجوة شاسعة بين حملة العلاقات العامة والواقع في أوكرانيا.
​هناك شعور بأن المؤسسة السياسية الغربية تفضل رؤية روسيا تحترق على أن ترى أوكرانيا تُنقذ.
​أعرف القليل عن حملة العلاقات العامة تلك. لقد كنت أول سكرتيرة صحفية للرئيس زيلينسكي، حيث توليت منصبي إلى جانبه في عام 2019. غادرت في عام 2021 وبقيت متعاطفة مع الرئيس وهو يخوض الحرب ضد الغزو الروسي. ولكن بحلول عام 2025، وصلت إلى نتيجة مفادها أن أوكرانيا لن تكون قادرة أبداً على كسب هذه الحرب عسكرياً. الحل الوحيد هو السلام التفاوضي.
​في ظل النظام الأوكراني الحالي، تبدو فرص السلام ضئيلة. في أواخر جوان، وافق الرئيس فولوديمير زيلينسكي على حملة استمرت 40 يوماً من ضربات الطائرات المسيرة طويلة المدى داخل روسيا لإجبار الكرملين على إنهاء الحرب. كان من المفترض أن تكون “عملية تأثير”، صُممت لإظهار التكلفة الحقيقية للنزاع للشعب الروسي. لكن الأوكرانيين هم من عانوا الأشد. وبدلاً من ذلك، صعد الكرملين، جالباً المزيد من الدمار والمزيد من الموت ولا شيء من المفاوضات التي من شأنها إنقاذ الأرواح في النهاية. يبدو أن روسيا لم تزدَد إلا جرأة بسبب الهجمات؛ إذ يكتفي الكرملين بإعادة تأكيد شروطه لإنهاء عدوانه.
​بالطبع، إن روسيا هي من بدأت هذه الحرب. لقد قامت قواتها بتعذيب الأوكرانيين واغتصابهم وترحيلهم وقتلهم. لا يوجد تكافؤ أخلاقي بين كييف والكرملين. ومع ذلك، فمن الواضح أن البطولة الأوكرانية التي ظهرت عام 2022 قد تلاشت منذ زمن بعيد. لقد تصلبت سياسات الحرب في كييف لتتحول إلى تعبئة دائمة وعلاقات عامة سطحية – شعارات فارغة ومزايدات أخلاقية هي كل ما يُقدم الآن. يتم التكتم على الوضع اليائس في شوارع أوكرانيا حتى يُمكن إلباس رفض التنازل لبوس الشجاعة.
​في عام 2022، عندما بدأت الحرب، هب البلد بأكمله للدفاع عن نفسه. اصطف الرجال أمام مكاتب التجنيد، وقاومت المدن التي حاولت موسكو الاستيلاء عليها بنجاح. كل هذا أنتج بطبيعة الحال إعجاباً في جميع أنحاء العالم – وتمجيداً في وسائل الإعلام والأوساط السياسية الغربية. اليوم، أصبح ذلك التمجيد نفسه عبئاً لا يُطاق. هناك شعور بأن المؤسسة السياسية الغربية تفضل رؤية روسيا تحترق على أن ترى أوكرانيا تُنقذ. وتُعامل خسائرنا اليومية كثمن مقبول لتحقيق تلك الغاية.
​خسرت أوكرانيا أكثر من نصف سكانها خلال الـ35 عاماً التي مضت منذ إعلان استقلالها عن الاتحاد السوفيتي. وحدث الأكبر في انهيار السكان منذ الغزو الروسي الشامل. وفقاً لأكثر التقديرات رزانة، يتبقى نحو 20 إلى 25 مليون شخص في الأراضي التي لا تزال كييف تسيطر عليها. نصفهم تقريباً في سن التقاعد. وعلى الأكثر، يوجد أربعة ملايين رجل في سن التجنيد. ويمكن لروسيا الاعتماد على خزان تجنيد يعادل نحو 10 أضعاف عدد الرجال في سن القتال. لذلك، فإن خوض حرب استنزاف هو انتحار وطني وليس بسالة. ومع ذلك، فإن هذه هي الاستراتيجية التي تتبعها حكومة زيلينسكي.
​الاقتصاد يروي القصة ذاتها. أصبحت أوكرانيا الآن معتمدة كلياً على المساعدات الغربية الآخذة في الانكماش. الأموال التي كان من المفترض استخدامها لإعادة بناء البلاد تلتهمها الحرب. تجاوز الدين العام 110% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي المقابل، لم تضطر روسيا إلى الاقتراض بأي قدر قريب من هذا الحجم لخوض حربها، ولا تزال تبيع الطاقة للاتحاد الأوروبي. منذ عام 2022، دفعت الدول الأوروبية لموسكو أكثر من 230 مليار دولار مقابل الوقود الأحفوري – وهو أكثر مما قدمته لكييف من مساعدات بجميع أشكالها. وعلى الرغم من حزم العقوبات التي لا تُعد ولا تُحصى، تواصل روسيا كسب المال وتتمتع بوضع مالي أقوى بكثير من معظم دول الاتحاد الأوروبي. في حين تُصاب أوكرانيا بالشلل التام بسبب موت شعبها وتدمير قاعدتها الإنتاجية، بينما تواصل ديونها التراكم.

​منذ “عملية التأثير” هذا الصيف، تعرض أكثر من 90% من المستودعات الأوكرانية للضرب، وتم تمزيق نظام الطاقة لدينا، وستصل كارثة إنسانية مع ثلوج الشتاء. في السنة الخامسة من الحرب الشاملة، غالباً ما يكون عرض الدولة للمدنيين في المناطق الأكثر تضرراً ببيساطة: ارحلوا. ويُقال للأشخاص الموجودين على خطوط الجبهة الذين لا يملكون المال ولا الوسائل أن يذهبوا إلى مكان آخر.
​في كل يوم تفقد أوكرانيا المزيد من شعبها. وأولئك الذين يريدون لأطفالهم الحصول على رعاية صحية وتعليم مناسبين يُجبرون على الهجرة. عدد الوفيات في أوكرانيا يبلغ تقريباً أربعة أضعاف عدد المواليد. الأمة تخبو وتضمحل، ومع ذلك تستمر الحرب في الطحن.
​خسرت فنلندا أراضي بعد حرب مدمرة، لكنها تمكنت من الحفاظ على أمتها ومستقبلها. كان بإمكان أوكرانيا أن تظل تخماً وحداً بين الغرب وروسيا: مسلحة، صاحية، وعلى قيد الحياة. لكن الاستراتيجية الحالية تدفعنا نحو طريق مختلف: طريق أفغانستان.
​أنفق الغرب 20 عاماً في ضخ ترليونات الدولارات في ذلك النزاع. وكل ما حققه هو ازدهار الفساد، وعقود من الموت، وسقوط كابول في النهاية بيد طالبان. وكما هو الحال في أوكرانيا، فرضت رقابة شديدة في وسائل الإعلام الغربية. وكان معظم الذين أعدوا تقارير من المنطقة متصلبين وغير مستعدين للمساومة في دعمهم لآلة الدولة الأفغانية والحرب، مهما حدث.
​نرى الكثير من المظاهر المتوازية نفسها في أوكرانيا. وعلى نحو استثنائي، ينافس الفساد الحربَ في تصنيفات الرأي العام باعتباره أكبر مشكلة وطنية. هناك أناس في الحكومة الأوكرانية يجنون ملايين الدولارات من هذه الحرب. لقد فرضت عليّ حكومة زيلينسكي عقوبات للتو لمجرد قولي ذلك علناً.
​في هذه الأثناء، لا يغادر الرجال الأوكرانيون العاديون منازلهم لعدة أشهر، خوفاً من عصابات التجنيد القسري التي تطاردهم في الشوارع. هناك تقارير عن إجبار ذوي الإعاقة على القتال في الجبهات الأمامية، وعن رجال يموتون بشكل غامض في مكاتب التجنيد، وعن نساء يقاتلن لإنقاذ أزواجهن من الخطف في وضح النهار. وفقاً لمفوض حقوق الإنسان الأوكراني، فإن 2-3% فقط ممن يتم القاء القبض عليهم في مداهمات التجنيد القسري يصلون بالفعل إلى خطوط الجبهة. ويدفع الكثيرون، أحياناً عشرات الآلاف من الدولارات، لشراء طريقهم للخروج. الفساد المحيط بهذا النظام يصل إلى مليارات الدولارات سنوياً. أنا لا ألوم شعبي لرفضه القتال من أجل آلة لم يعودوا يؤمنون بها.
​إذا كان الغرض من هذه الحرب هو تمهيد الطريق لأوكرانيا للانضمام إلى الناتو، فإن هذا الاحتمال قد أُزيح بالفعل عن الطاولة. وإذا كان الغرض هو استعادة الأراضي، فإن أوكرانيا تفقد المزيد منها ولا تستعيدها. وإذا كان لحماية الديمقراطية، فإن الأحكام العرفية في زمن الحرب قد قضت عليها بالفعل. تم تقييد حرية التعبير بشدة، وتم إفساد المؤسسات، وتأجيل الحقوق السياسية الأساسية، وانتهاك الدستور، ومطاردة الخصوم السياسيين. كل هذا مع استخفاف بالحياة البشرية يُصنف على أنه استبدادي للغاية في أي مكان آخر.
​لقد فقدت الحرب في أوكرانيا أي نظرية معقولة للنصر. في هذه المرحلة، هي لا تفعل شيئاً سوى ملء جيوب طبقة ضيقة وفاسدة من النخب بينما تفنى البلاد نفسها. لا يزال بإمكان أوكرانيا اختيار الطريق الفنلندي: إيقاف النزيف، والتمسك بما يمكن التمسك به، وإعادة ترميم الاقتصاد ونمط الحياة الذي يمكن للناس العودة إليه. أما الطريق الآخر فهو مرئي بالفعل؛ إنه طريق نفقد فيه الأرض والشعب كل يوم – ومعهم، الفرصة في أن تبقى هناك أوكرانيا لتنتصر.

  • صحافية أوكرانية، والسكريتيرة الصحفية السابقة للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي.
    The Spectator

Share this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *