*حسان عليان – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين*
ليست كل الحروب تُحسم بعدد الطائرات أو كمية الصواريخ، فهناك حروب يُصبح فيها الزمن نفسه سلاحًا، والصبر جزءًا من العقيدة القتالية، والاستنزاف وسيلةً لإعادة تشكيل ميزان القوى. وهذا ما يبدو حاضرًا في المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث يتواجه نموذجان مختلفان في إدارة الحرب: نموذج يسعى إلى الحسم السريع، وآخر يراهن على النفس الطويل.
*أولًا: الاعتراف بالتفوق العسكري… شرط القراءة الواقعية*
أولى قواعد التحليل السياسي الرصين هي الاعتراف بالوقائع كما هي، لا كما نتمنى أن تكون. فالولايات المتحدة تمتلك تفوقًا عسكريًا هائلًا، خاصة في سلاح الجو، وقدرات الاستطلاع، والضربات الدقيقة بعيدة المدى، وهو ما ظهر في استهداف الجسور والبنية التحتية ومنشآت الطاقة والمرافق الحيوية.
إن إنكار هذا التفوق لا يخدم الحقيقة، لكنه في المقابل لا يعني أن الحرب قد حُسمت. فالتاريخ مليء بقوى عظمى امتلكت التفوق العسكري وفشلت في تحقيق أهدافها السياسية، لأن النصر في الحروب الحديثة لا يُقاس بحجم الدمار فقط، بل بقدرة الطرف الأقوى على فرض إرادته على خصمه.
*ثانيًا: فلسفة الحرب… السرعة الأميركية في مواجهة الصبر الإيراني*
يكاد يكون الفارق الجوهري بين الطرفين هو فلسفة إدارة المعركة.
فالولايات المتحدة تعتمد على تحقيق نتائج سريعة، عبر توجيه ضربات مكثفة تؤدي إلى إرباك الخصم وإجباره على تقديم تنازلات خلال فترة قصيرة.
أما إيران، فتتعامل مع الحرب بوصفها معركة استنزاف طويلة، يكون فيها الصمود بحد ذاته إنجازًا، وإطالة أمد المواجهة وسيلة لإضعاف الخصم نفسيًا واقتصاديًا وسياسيًا.
إنها مواجهة بين من يسابق الزمن، ومن يجعل الزمن حليفه.
*ثالثًا: لماذا لا تحرق إيران كل أوراقها؟*
من يتابع طبيعة الردود الإيرانية يلاحظ أنها لا تستخدم جميع أدوات قوتها دفعة واحدة، بل تتعامل معها كرأسمال استراتيجي يجب الحفاظ عليه.
فمضيق هرمز، وباب المندب، ومحور الحلفاء، والقدرات الصاروخية، كلها أوراق ضغط يتم تفعيلها تدريجيًا وفق تطورات الميدان، لأن الحرب الطويلة تحتاج إلى مخزون دائم من عناصر القوة.
في الفكر العسكري، ليست المشكلة في امتلاك السلاح، بل في معرفة التوقيت المناسب لاستخدامه.
*رابعًا: استنزاف القواعد… وليس توسيع دائرة الحرب*
تُظهر طبيعة العمليات، وفق هذا التحليل، أن التركيز ينصب على استنزاف البنية العسكرية الأميركية في المنطقة، ولا سيما القواعد ومراكز الدعم اللوجستي التي تُعد جزءًا من منظومة العمليات العسكرية.
وهذا يعكس انتقال المعركة من مواجهة مباشرة إلى استنزاف مراكز القوة، بما يرفع كلفة استمرار الحرب على الولايات المتحدة، ويجعل وجودها العسكري عبئًا متزايدًا بدل أن يكون مصدر تفوق مطلق.
*خامسًا: الحرب الإعلامية… معركة لا تقل أهمية عن الميدان*
لا تقتصر المواجهة على الصواريخ والطائرات، بل تمتد إلى الإعلام وصناعة الرواية.
فكل طرف يسعى إلى إظهار نفسه منتصرًا، وإخفاء خسائره، وتضخيم خسائر خصمه. لذلك يصبح الإعلام جزءًا من منظومة القتال، ويغدو التحكم بالرأي العام عنصرًا أساسيًا في إدارة الحرب.
وفي كثير من الأحيان، تكون المعركة على الوعي أخطر من المعركة على الأرض.
*سادسًا: المفاوضات من موقع القوة لا من موقع الحاجة*
من الواضح أن الرؤية الإيرانية، كما تُعلنها قيادتها، تقوم على أن أي مفاوضات يجب أن تكون نتيجة لتوازن قوى جديد، لا وسيلة لوقف الضغوط العسكرية.
لذلك تربط طهران العودة إلى الطاولة بتنفيذ الالتزامات السابقة ووقف العدوان، معتبرة أن تثبيت موازين القوة يسبق أي مسار تفاوضي، وأن الحوار لا يكون مجديًا إذا جاء تحت وقع القصف.
*سابعًا: حرب على حافة الهاوية*
تكمن خطورة المرحلة الحالية في أن الطرفين يتحركان على حافة التصعيد الشامل.
فأي حادث كبير، كاستهداف قطعة بحرية رئيسية أو توسيع نطاق الضربات، قد يدفع الصراع إلى مستوى يصعب احتواؤه.
ومن هنا تبدو الحسابات شديدة الحساسية، حيث يحاول كل طرف إيلام خصمه دون الوصول إلى نقطة الانفجار التي قد تجر المنطقة إلى حرب إقليمية مفتوحة.
الخاتمة: من ينتصر… من يملك القوة أم من يملك النفس؟
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع النصر، كما أن الصمود وحده لا يكفي لتحقيقه. فالانتصار الحقيقي هو قدرة أي طرف على تحويل أدواته العسكرية إلى مكاسب سياسية دائمة.
واليوم، تبدو المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران اختبارًا لفلسفتين متناقضتين: فلسفة تؤمن بالحسم السريع، وأخرى تراهن على الصبر الاستراتيجي والاستنزاف. وبين هذين النهجين، لن يكون الفيصل عدد الصواريخ التي أُطلقت، بل قدرة كل طرف على الحفاظ على إرادته، وإدارة الزمن لمصلحته، لأن التاريخ يثبت أن الحروب الكبرى لا يحسمها السلاح وحده، بل يحسمها من يعرف كيف يحول الوقت إلى أحد أسلحته.


