حين تعجز القوة عن صناعة السياسة: أميركا أمام مأزق «الحرب بلا سقف» 

أ. حسان عليان – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد أزمة تُقاس بعدد الضربات والصواريخ والقواعد المستهدفة. ما يجري أعمق من ذلك؛ إنه اختبار لقدرة القوة العسكرية الأميركية على إنتاج نتيجة سياسية في منطقة بدأت موازينها تتحرك خارج القواعد التي حكمتها طوال عقود.

السؤال اليوم ليس: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تضرب إيران؟ فالجواب العسكري بديهي. السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع الضربة أن تُجبر إيران على الذهاب إلى المكان الذي تريده واشنطن؟

هنا تحديدًا تبدأ المعضلة الأميركية.

عندما لا تتحول القوة إلى نتيجة

استخدمت واشنطن أدوات متعددة: الضغط العسكري، العقوبات، التهديد، الحرب النفسية، ومحاولة العزل السياسي. لكن امتلاك القدرة على الإيذاء شيء، وتحويل هذا الإيذاء إلى استسلام سياسي شيء آخر.

قد تمتلك دولة تفوقًا عسكريًا هائلًا، لكنها تدخل مأزقًا استراتيجيًا عندما تعجز عن تحويل هذا التفوق إلى تغيير في خيارات خصمها.

فالعودة إلى حرب واسعة ليست قرارًا بلا ثمن، كما أن العودة إلى المفاوضات من دون تحقيق الأهداف التي رُفع سقف الحرب من أجلها تعني ضمنًا أن القوة العسكرية لم تستطع وحدها إنتاج التسوية المطلوبة.

وهكذا تتحرك واشنطن بين خيارين صعبين: كيف تحافظ على صورة القوة من دون الانزلاق إلى حرب قد تكشف حدود هذه القوة؟

هذه هي أيضًا معضلة «اليوم التالي». تستطيع الطائرات تدمير منشأة، وتستطيع الصواريخ إصابة قاعدة، لكن هل يؤدي ذلك بالضرورة إلى تغيير القرار السياسي للدولة المستهدفة؟

القوة تصبح استراتيجية عندما تنتج واقعًا سياسيًا جديدًا. أما عندما تحتاج الضربة إلى ضربة أخرى، والتهديد إلى تهديد أكبر، ثم يعود الجميع إلى البحث عن مخرج تفاوضي، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام استراتيجية للحسم، أم أمام إدارة متدرجة للعجز عن الحسم؟

إيران وحرب الإرادات

في المقابل، تبدو المقاربة الإيرانية متجهة نحو توسيع مفهوم الردع: جعل الخصم يدرك أن أي تصعيد لن يبقى محصورًا بالمكان أو الزمن أو الأدوات التي يختارها بنفسه.

ومن هنا تكتسب التغييرات في البنية العسكرية والأمنية الإيرانية دلالتها، باعتبارها محاولة للتكيف مع حرب متعددة المجالات: البر والبحر والجو والفضاء والمعلومات والاستخبارات والممرات البحرية.

صحيح أن هناك فارقًا كبيرًا بين الإمكانات الأميركية والإيرانية، لكن الحروب السياسية الكبرى لا تُحسم دائمًا بمن يمتلك الترسانة الأكبر، بل بمن يستطيع تحمّل الكلفة مدة أطول، ومن يستطيع منع خصمه من تحويل تفوقه العسكري إلى مكسب سياسي.

إنها بهذا المعنى حرب إرادات بقدر ما هي حرب قدرات.

عالم لم يعد أحاديًا

ما يزيد صعوبة الموقف الأميركي أن المواجهة لا تقع في عالم ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

هناك الصين وروسيا والهند ومنظمة شنغهاي، وهناك دول إقليمية أصبحت أكثر استعدادًا لتنويع علاقاتها بدل وضع أمنها بالكامل تحت مظلة واحدة.

هذا لا يعني أن الهيمنة الأميركية انتهت أو أن الولايات المتحدة لم تعد القوة الدولية الأبرز. لكنها لم تعد تتحرك في بيئة خالية من المنافسين.

وتراجع الهيمنة لا يعني اختفاء القوة، بل تراجع القدرة على تحديد خيارات الآخرين منفردة.

وينطبق ذلك على دول الخليج أيضًا. فبيانات إدانة أي استهداف لأراضيها أمر طبيعي، لكن السؤال السياسي الأعمق هو: هل أغلقت هذه الدول قنواتها مع إيران؟ وهل تريد أصلًا العودة إلى مرحلة المحاور المغلقة؟

الصورة أكثر تعقيدًا. هناك دول تريد الحفاظ على علاقتها بواشنطن، لكنها لا تريد في الوقت نفسه أن تتحول أراضيها إلى ساحات لحرب أميركية ـ إيرانية.

وهذا تحول مهم في الإقليم.

إسرائيل ولبنان: استثمار لحظة الاشتباك

أما إسرائيل فتحاول استثمار انشغال المنطقة بالمواجهة الأميركية ـ الإيرانية لتحقيق أهدافها الخاصة، ولا سيما في لبنان.

والحرب بالنسبة إلى بنيامين نتنياهو ليست مسألة أمنية فقط، بل تتداخل أيضًا مع معركة بقائه السياسي؛ فاستمرار حالة الطوارئ يسمح له بتقديم نفسه باعتباره رجل المرحلة الأمنية.

لكن التصعيد يحمل تناقضه في داخله: ما يمنح إسرائيل فرصة تكتيكية قد يفتح ساحات يصعب التحكم بنتائجها استراتيجيًا.

ومن هنا لا يمكن التعامل مع جنوب لبنان كملف منفصل عن التحولات الإقليمية. إسرائيل تحاول فرض وقائع جديدة والضغط على لبنان والمقاومة، خصوصًا في ملفات السلاح والحدود والترتيبات الأمنية.

وفي المقابل، لا تستطيع أي تسوية إقليمية جدية تجاهل لبنان طالما بقي الاحتلال والاعتداءات والتهديد الإسرائيلي عناصر قائمة.

لذلك يحتاج لبنان إلى سياسة خارجية دقيقة. العلاقات مع الخليج والعالم العربي والانفتاح الاقتصادي ضرورات وطنية، لكن يجب أن تتحرك جميعها تحت عنوان المصلحة اللبنانية، لا أن يصبح لبنان جزءًا وظيفيًا من استراتيجية أي قوة خارجية.

حين تدخل الجغرافيا الحرب

ولا يمكن فهم ميزان الردع من دون هرمز وباب المندب.

فهذان الممران ليسا مجرد نقطتين جغرافيتين، بل شريانان للاقتصاد العالمي. وأي توسع للحرب يجعل الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد وأسعار التأمين والنقل البحري جزءًا من حسابات المواجهة.

وهنا تصبح الجغرافيا نفسها عنصرًا من عناصر القوة.

فإذا اتسعت الحرب، لن تبقى كلفتها أميركية ـ إيرانية أو إسرائيلية ـ إيرانية، بل ستصل تداعياتها إلى الاقتصاد العالمي، وهذا بحد ذاته يضع سقفًا أمام مفهوم «الحرب المفتوحة».

أي شرق أوسط سيولد؟

لهذا، لا أعتقد أن ما نشهده مجرد جولة أخرى بين واشنطن وطهران، ولا مجرد مواجهة إيرانية ـ إسرائيلية، ولا صراعًا منفصلًا حول لبنان واليمن.

نحن أمام صراع على هوية النظام الإقليمي المقبل.

هناك مشروع يريد شرق أوسط تكون فيه إسرائيل، مدعومة بالقوة الأميركية، صاحبة اليد العليا في تحديد قواعد الأمن وحدود القوة المسموح بها للآخرين.

وفي المقابل، هناك مشروع مقاوم يسعى إلى منع إسرائيل من التحول إلى القوة المهيمنة إقليميًا، وفرض معادلة تقوم على الردع المتبادل ورفض احتكار القوة.

وبين المشروعين تقف دول كثيرة لا تريد الانضمام الكامل إلى أي منهما، بل تبحث عن هامش يحفظ مصالحها وسيادتها.

وهذه ربما أهم سمات المرحلة الجديدة.

من ينتصر في النهاية؟

ليس المنتصر بالضرورة من يطلق الصاروخ الأخير.

المنتصر استراتيجيًا هو من يستطيع، عندما تتوقف الحرب، أن يجعل النظام الذي يليها أقرب إلى رؤيته من رؤية خصمه.

لذلك فإن عدّ الصواريخ والطائرات والخسائر لا يكفي لفهم نتيجة المواجهة.

السؤال الأهم هو:

من أصبح أكثر قدرة على فرض شروط اليوم التالي؟

فالولايات المتحدة، رغم قوتها الهائلة، تواجه حقيقة تتكرر في التاريخ: القوة تستطيع أن تدمر، لكنها لا تستطيع دائمًا أن تحكم ما يولد بعد الدمار.

وفي المقابل، فإن التحدي أمام إيران ومحور المقاومة لا يقتصر على الصمود والقدرة على الرد، بل في تحويل هذا الصمود إلى معادلة سياسية وإقليمية قابلة للاستمرار.

وهنا تكمن حقيقة الصراع: ليست المعركة فقط حول مَن يمتلك القوة الأكبر، بل حول مَن يمتلك الإرادة الأطول، ومَن يستطيع أن يفرض تعريفه للنصر عندما يصمت السلاح.

Share this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *