هارون بشارة ـ مؤسسة الدراسات الفلسطينية
مقدمة
المجال الجغرافي كساحة صراع بنيوي
تُشكل المناطق “ج” في العقيدة السياسية والأمنية الإسرائيلية الفضاء الأهم لتمديد السيطرة الاستعمارية الفعلية على أراضي الضفة الغربية وتثبيتها، بهدف إحباط مقومات السيادة الفلسطينية وتأمين احتياطٍ جغرافي وديموغرافي للمشروع الاستيطاني. وتأسست هذه السيطرة القانونية بموجب اتفاق أوسلو الثاني سنة 1995، الذي قسم الضفة الغربية بصورة موقتة إلى 3 نطاقات أمنية وإدارية؛ إذ خضعت المناطق “أ” للسيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية الكاملة، والمناطق “ب” للسيطرة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة (سيطرة فلسطينية مدنياً، وإسرائيلية أمنياً)، بينما وُضعت المناطق “ج” -التي تشكل المساحة الأوسع بنسبة تقارب 60% من أراضي الضفة- تحت السيطرة المدنية والعسكرية المطلقة للاحتلال الإسرائيلي.
وفي هذا الحيز الإقصائي، طورت الإدارة المدنية وجيش الاحتلال منظومة مركبة تمنع الفلسطينيين من ممارسة حقوق البناء والتطوير الزراعي وحصاد الموارد المائية وتوظيف الأوامر العسكرية لإعلان الأراضي “مناطق عسكرية مغلقة”. ويُقصد بهذه الأوامر العسكرية القرارات الصادرة عن قائد جيش الاحتلال في الضفة الغربية، والتي يُحظر تماماً بموجبها على أصحاب الأرض الفلسطينيين التواجد في أراضيهم، أو فلاحتها، أو المرور عبرها لأسباب “أمنية”، في الوقت الذي يُسمح فيه للمستوطنين بالتمدد داخل هذه الحقول وحمايتها عسكرياً، الأمر الذي يحوِّل القانون العسكري إلى ذراع مباشرة لتكريس سيطرة المستوطنين وتبرير مصادرة الأراضي لاحقاً بذريعة عدم استغلالها أو تحولها إلى أراضٍ بور.
وتجسد قرية المغير، الواقعة على بعد 27 كيلومتراً شمال شرقي مدينة رام الله، حالة دراسية حية وملموسة لهذا النمط العنيف من السيطرة الجيوسياسية، وتقع تاريخياً على تلة استراتيجية مطلة على السفوح الشرقية وغور الأردن، وتملك حوضاً جغرافياً رعوياً وزراعياً ممتداً غنياً بمصادر المياه والتربة الخصبة، وهو ما جعلها هدفاً تاريخياً لمنظومة السيطرة الإسرائيلية الثلاثية التي تضم جيش الاحتلال، والإدارة المدنية، وشبكات الاستيطان الرعوي. وفي مواجهة هذا التطويق الخانق، برزت مبادرة “حديقة يعقوب” كنموذج تطبيقي مصغر ومختبر ميداني لا تتجاوز مساحته 60 متراً مربعاً يقع داخل الأراضي المتاحة في القرية. وتهدف الحديقة إلى اختبار كفاءة 12 صنفاً من البذور والشتلات البلدية لتقديم براهين وبيانات علمية تفند السرديات الاستعمارية التي تدعي عدم صلاحية الأرض أو بقاءها بوراً، متجاوزة التنظير الجاف لتقدم أرقاماً ميدانية دقيقة تعيد صوغ المعرفة والإنتاج كأدوات صمود سيادي فوق الأرض.
تفكيك الموقف الراهن: السيطرة بالتصنيف وحرب الموارد الممنهجة
ترتكز السياسات الاستعمارية الإسرائيلية في المغير على استلاب المجال الحيوي للقرية بالكامل، مستغلة معطيات التقسيم الجغرافي والاتفاقيات السياسية السابقة. وتَبْرُزُ المشكلة البنيوية الأساسية في تصنيف ما يقارب 98% من المساحة الكلية لأراضي القرية -البالغة تاريخياً نحو 43,000 دونم- كأراضٍ مصنفة “ج”، الأمر الذي يحرم الأهالي حقَ البناء والتطوير والاستثمار في أراضيهم التاريخية الشاسعة. وبفعل الطوق الأمني المفروض عبر الأوامر العسكرية المغلقة، تم حشر النسيج العمراني والسكاني للقرية بأكمله، والذي يقطنه قرابة 4000 نسمة، في شريط ضيق لا يتعدى 2% فقط من مساحتها الإجمالية، وهو ما يعادل كيلومتراً مربعاً واحداً تقريباً مصنفاً كمنطقة “ب” بموجب الاتفاقات. وهذا التوزيع الجغرافي غير العادل حوّل الكتلة العمرانية إلى معزل سكني خانق يستحيل معه التوسع الطبيعي، بينما بقيت المساحة المتبقية البالغة 98% مسلوبة ومعزولة وراء قرارات المنع العسكري.
ويتكامل هذا الحظر العسكري مع أداة استعمارية مستحدثة تتمثل في الاستيطان الرعوي؛ إذ تحولت البؤر الاستيطانية المحيطة بالمغير إلى أدوات ميدانية شرسة للتفريغ الديموغرافي. وتحت حماية جيش الاحتلال، جرى تطويق المغير بـ 9 بؤر استيطانية رعوية تابعة لجماعات متطرفة كشباب التلال ورعاة صهيون. وتقوم هذه الشبكات بالسيطرة الفعلية على حيز الـ 98% المسلوب ومراعي القرية التاريخية الشاسعة، وملاحقة الرعاة الفلسطينيين واستهدافهم جسدياً، وسرقة أغنامهم، وتكسير الأشجار، وحرق المحاصيل الزراعية. وتسببت هذه الممارسات الممنهجة بتدمير ركائز الاقتصاد الزراعي التاريخي للقرية؛ إذ تراجع حجم الثروة الحيوانية في المغير بنسبة كارثية تتجاوز 80%، وذلك راجع إلى أن أعداد الأغنام والماشية انخفضت من نحو 30,000 رأس إلى أقل من 6000 رأس وفقاً للإحصاءات والبيانات الموثقة لدى الهيئات المحلية، وذلك كنتيجة مباشرة لارتفاع تكلفة إنتاج الأعلاف المستوردة وحظر الوصول إلى المراعي والمساحات المفتوحة.
ولم تكتفِ آلة الاستعمار بقطع دابر الرعاة عن السطح، بل أيضاً امتدت الحرب لتطال عمق الأرض وشريان الحياة المتمثل في الموارد المائية؛ إذ أطبقت شبكات المستوطنين سيطرتها الكاملة على آبار جمع المياه التاريخية والينابيع الطبيعية المنتشرة في حوض المغير وجوارها، وعلى رأسها نبع عين سامية الذي يغذي تاريخياً مساحات واسعة من محافظة رام الله والبيرة وقراها الشرقية. ويتكامل هذا الاستيلاء الميداني مع قرارات تقليص حصص المياه الممنهجة الصادرة عن الجهات الحكومية الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، الأمر الذي يمثل ترجمة عملية لسياسات التعطيش والتهجير الصامت. وقد فرض هذا الحصار المائي قيوداً خانقة على أجهزة الناقل الوطني المائي الفلسطيني، كمصلحة مياه محافظة القدس، التي باتت عاجزة عن الوفاء بحاجات المزارعين والسكان، ومضطرة إلى تقنين أزمة شح المياه الشديدة وإدارتها، والاعتماد الشحيح على آبار تجميع مياه الأمطار المنزلية داخل منطقة الـ 2% العمرانية المتبقية. ويؤكد هذا الواقع تحوُل الاقتصاد المحلي قسراً نحو التبعية لأسواق الاحتلال بسبب فقدان المزارعين والرعاة للسيطرة الفعلية على حيز الأرض ومصادر المياه.
بيانات حديقة يعقوب الميدانية ودحض بروباغندا الأراضي البور
إن مبادرة “حديقة يعقوب”، التي لا تتجاوز مساحتها 60 متراً مربعاً، تتجاوز الحدود التقليدية للمشاريع الإغاثية، لتقدم نموذجاً عملياً ملموساً للمقاومة المعرفية التي تفكك مزاعم الاحتلال الموجهة إلى المؤسسات والبعثات الدولية. ويدعي الاحتلال أمام الرأي العام العالمي أن مصادرته أراضي المناطق “ج” للأغراض العسكرية تستند إلى قوانين ومسوغات قانونية تزعم أن هذه الأراضي بور أو غير صالحة للاستغلال والاستثمار الزراعي من جانب سكانها لأعوام طويلة، وهنا يأتي دور الحديقة كمختبر ميداني وعلمي قام باختبار وزراعة 12 صنفاً من المحاصيل والأشتال البلدية، وعلى رأسها أصناف كالبندورة، والخيار، والفلفل، والملفوف، والباذنجان، وغيرها من الشتلات، مسجلاً مؤشرات نمو وبيانات دقيقة تثبت بالأرقام العلمية كذب السردية الاستعمارية وتهافتها.
وكشفت القياسات والبيانات الكمية والكيفية التي جرى توثيقها بانتظام خلال دورة النمو الزراعي أن الأصناف البلدية تظهر كفاءة جينية مدهشة وقدرة فائقة على النمو البعلي التام بالاعتماد الحصري على مياه الأمطار الشحيحة، وبمعدلات نمو جيدة للنباتات الحقلية من دون الحاجة إلى رعاية كيميائية خارجية. كما وثقت الملاحظات الكيفية قدرة التربة الحمراء في المغير على الاحتفاظ بنسبة رطوبة ممتازة على الرغم من قلة عمقها فوق الصخر، محققة إنتاجاً زراعياً مستداماً وذا جودة غذائية عالية. وتقدم هذه النتائج الرقمية والنوعية دليلاً علمياً لا يقبل الشك على أن الأراضي الشاسعة المساحة في المغير خصبة للغاية وقادرة على تحقيق السيادة الغذائية، وتؤكد بوضوح أن خلو هذه المساحات الزراعية الكبرى من الاستغلال والإنتاج يعود حصراً إلى قمع جيش الاحتلال وأوامره العسكرية بالقوة المسلحة، وليس إلى عدم صلاحية التربة للزراعة أو إهمال الفلسطينيين لها.
التأثير الاستراتيجي ومستقبل صمود التجمعات المتاخمة
ينذر استمرار المنظومة الاستعمارية الإسرائيلية في عزل القرى والبلدات في مناطق التماس وتسييد نموذج الاستيطان الرعوي العنيف بفرض خطة الحسم الاستيطانية على الأرض. ويؤدي ترك الحبل على الغارب لهذا التمدد الميداني السافر إلى تدمير النواة التنموية الفلسطينية في مناطق التماس، وتحويل القرى التاريخية المنتجة كالمغير إلى معازل ديموغرافية مقطوعة الأوصال وفاقدة للوزن الاقتصادي أو الفلاحي، الأمر الذي يكرس تبعيتها السيادية والغذائية والمائية المطلقة لسلطات الاحتلال، ويُفْقِدُ المؤسسات الوطنية قدرتها على المناورة والدفاع، ويحول مشاريعها إلى مجرد برامج إغاثية موسمية عاجزة عن تثبيت المزارع في حقله لمواجهة سياسات الضم الصامت والتهجير القسري.
خاتمة استنتاجية: نحو مقاربة تنموية سيادية متكاملة
في مقابل ما ذُكر، يبيِّن التمحيص في واقع الاشتباك اليومي في المغير أن مبادرات الصمود والفلاحة الفلسطينية القائمة بمحاذاة الحيز السكاني والمناطق المتاحة جزئياً لم تكن فاشلة أو عديمة الجدوى، بل حققت نجاحات جزئية بارزة في الحفاظ على الحضور السكاني وزراعة مئات الدونمات من بساتين الزيتون والمزروعات الحقلية على الرغم من الاعتداءات الإسرائيلية. ويصطدم هذا النجاح الميداني بجدار البطش الاستعماري وحرب الموارد عبر التخريب وحرق المزروعات، سواء عن طريق عصابات المستوطنين أو بفعل الحرائق الناجمة عن الرصاص وقنابل الغاز المسيل للدموع والصوت التي يطلقها جيش الاحتلال بكثافة على الحقول الزراعية، وهو ما يلحق خسائر اقتصادية فادحة بالمزارعين.
ومع ذلك، يتقاطع هذا الصمود مع أداء صحافي وإعلامي متميز من لجان القرية الإعلامية وأبنائها، الذين يوثقون الانتهاكات لحظياً باحترافية عالية، لتأتي مبادرات النمذجة العلمية، كـ “حديقة يعقوب”، كمأسسة لهذا الجهد، عبر تحويل التغطية الإخبارية والبيانات الزراعية إلى ملفات فنية وقانونية دامغة تُعرض أمام الملأ وتكشف زيف الادعاءات الإسرائيلية في مختلف المحافل السياسية والحقوقية الدولية.
ويتضح من تجربة قرية المغير و”حديقة يعقوب” أن تعزيز البقاء وتفكيك منظومة التبعية المفروضة في المناطق “ج” يستلزم الانتقال الجذري والنوعي من منهج الاستجابة الإغاثية الموسمية والمساعدات الموقتة التي يقدمها بعض المؤسسات الأهلية والرسمية، إلى صوغ استراتيجيا تنموية سيادية تعتمد على التحصين البنيوي للمزارعين. ويتحقق ذلك عبر توسيع نطاق استخدام بذور المحاصيل البلدية والبعلية التي تتميز بخصائص جينية قادرة على مواجهة الجفاف والحصار المائي وتعميمها من دون الخضوع للإرادة الإسرائيلية، وتوفير شبكات دعم مادية ولوجستية لحماية المزارعين من خسائر حرق المزروعات تخريبها من جانب المستوطنين وجيش الاحتلال.
إن المزاوجة بين التوثيق الإعلامي الميداني للانتهاكات، والنمذجة العلمية للأرقام الزراعية كما تم اختبارها بنجاح في “حديقة يعقوب”، توفر للأطر الرسمية والأهلية الفلسطينية سلاحاً معرفياً وسياسياً قوياً يدحض بروباغندا “الأراضي البور”، ويعزز المرافعة القانونية الدولية. كما أن توجيه التمويل التنموي والجهد الوطني نحو تطوير البنية التحتية السيادية لتدوير المياه الرمادية وتأسيس شبكات حصاد الأمطار المنزلية والزراعية يمثل حجر الأساس لبناء اقتصاد صمود حقيقي ومستدام قادر على حماية الأرض الفلسطينية وصونها من مخططات التفريغ والتهجير الصامت والضم غير المعلن في جبهات المواجهة كافة.


