مضيق هرمز والطائرات المسيّرة.. حدود الحسم العسكري

أعادت الحرب في أوكرانيا، والصراعات في الشرق الأوسط، تشكيل مفاهيم الردع والحسم العسكري، بعدما أثبتت الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة قدرتها على إحداث تأثيرات استراتيجية تتجاوز كلفتها التشغيلية. وفي المقابل، لم تعد السيطرة الجوية أو التفوق التكنولوجي كافيين لتحقيق نصر حاسم في النزاعات المعقدة، خاصة في بيئات جغرافية وسياسية مثل إيران. ويكتسب مضيق هرمز في هذا السياق أهمية استثنائية، ليس فقط باعتباره أحد أهم ممرات الطاقة العالمية، بل بوصفه ورقة ضغط استراتيجية يمكن أن تحول أي مواجهة عسكرية إلى أزمة اقتصادية عالمية. ومن هذا المنطلق، تناقش هذه الدراسة حدود القوة العسكرية الأمريكية، ودور الطائرات المسيّرة في تغيير طبيعة الصراع، وانعكاسات ذلك على العقيدة العسكرية الغربية ومستقبل الأمن الإقليمي.

واشنطن وحسم الموقف العسكري في مضيق هرمز

لا يزال العجز المستمر للولايات المتحدة عن تحقيق نصرٍ حاسمٍ في إيران أي فرض استسلامٍ كامل، أو إحداث تغييرٍ في النظام، أو تحقيق نزعٍ كاملٍ للسلاح يمثل قضيةً محل نقاش في الجغرافيا السياسية المعاصرة. فعلى الرغم من التحليلات المكثفة التي أجرتها الجامعات الأمريكية ومراكز الفكر وأجهزة الاستخبارات والمؤسسة العسكرية، لم يجرِ التوصل إلى تفسيرٍ مقنع لهذا الإخفاق. وبعد استئناف الولايات المتحدة الضربات الجوية المباشرة ضد إيران في عام 2026، عقب انهيار هدنة قصيرة، فشل التصعيد العسكري عالي الكثافة مرةً أخرى في تحقيق نتيجةٍ حاسمة. وحتى بعد ممارسة ضغوطٍ عسكريةٍ كبيرة ومقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، فإن اعتماد واشنطن في نهاية المطاف على العودة إلى طاولة المفاوضات كشف حدود القوة العسكرية التقليدية.

الجغرافيا العسكرية الإيرانية تمثل عقبةً هائلة

تمتد إيران على مساحة 1.64 مليون كيلومتر مربع، إذ تحيط بمرتكزها الجغرافي سلسلتا جبال زاغروس والبرز. وتمنع هذه التضاريس الولايات المتحدة من تكرار حملاتها المدرعة والجوية السريعة التي نفذتها في الصحاري المنبسطة بالعراق والكويت. كما أن السيطرة على طهران ستتطلب نشر مئات الآلاف من الجنود في حربٍ بريةٍ وجبليةٍ ومدنيةٍ طويلةٍ وعنيفة، وهو ثمنٌ بشري ومالي لا ترغب واشنطن، بعد تجربة أفغانستان، في تحمله.

امتلاك إيران وسائل منخفضة التكلفة للحرب

عوضت إيران ضعفها العسكري التقليدي عبر الاستثمار في شبكة غير متماثلة من الوكلاء تُعرف بـمحور المقاومة، كحزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن. وأي هجومٍ شامل على الأراضي الإيرانية قد يشعل حربًا إقليمية، مع إطلاق موجاتٍ واسعة من الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد حلفاء الولايات المتحدة، مثل السعودية والإمارات وإسرائيل. كما أن امتلاك إيران وسائل منخفضة التكلفة للحرب غير المتماثلة، مثل طائرات “شاهد” المسيّرة والصواريخ المضادة للسفن، يمنحها القدرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، وتعطيل حركة التجارة العالمية، وفرض استنزافٍ اقتصادي يصعب على الغرب تحمله.

مضيق هرمز ورقة ضغط اقتصادية

يمثل مضيق هرمز بحد ذاته ورقة ضغطٍ اقتصاديةً حاسمة. إذ يمر عبره نحو 20% من شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا، ما يجعله شديد الحساسية لأي حصار إيراني. وقد أدت الاضطرابات الدورية التي شهدها المضيق خلال نزاع عام 2026 إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية، مما ساهم في زيادة معدلات التضخم. وبالنسبة لإدارةٍ أمريكية تستعد لانتخاباتٍ عامة داخلية، فإن التداعيات السياسية لارتفاع أسعار الطاقة تُعد خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.

التعددية القطبية العالمية

تمنع التعددية القطبية العالمية عزل طهران بصورةٍ كاملة. فعلى الرغم من العقوبات والحصار الأمريكي المشدد، تواصل إيران تمويل اقتصادها في زمن الحرب عبر تصدير النفط إلى الأسواق الدولية، ولا سيما في آسيا، من خلال شبكاتٍ سرية. وفي الوقت نفسه، توفر قوى مثل روسيا أشكالًا غير رسمية من التعاون في مجالات الحرب الإلكترونية، وتقنيات الدفاع الجوي، والمعدات الصاروخية، والاستخبارات الفضائية، وهو ما يحول دون تمكين الولايات المتحدة من فرض الهيمنة التكنولوجية المطلقة التي تمتعت بها في حروبٍ سابقة.

غالبًا ما يُساء تقدير مدى استقرار النظام الإيراني داخليًا. فالبنية المزدوجة التي تجمع بين المرشد الديني والرئيس المدني تتيح انتقال السلطة بسرعة. وبعد وفاة خامنئي، يستطيع رجال الدين والحرس الثوري تعيين خليفة، مثل مجتبى خامنئي، بسرعة، وتحويل الأزمة إلى حالة تعبئة دينية. كما أن أي تدخلٍ خارجي يدفع الخلافات السياسية الداخلية إلى التراجع أمام تصاعد المشاعر القومية المتجذرة في آلاف السنين من التاريخ الفارسي، وهو ما يُفشل رهانات الولايات المتحدة على انهيارٍ داخلي للنظام. ونتيجةً لذلك، تحولت الاستراتيجية الأمريكية من السعي إلى تغيير النظام إلى سياسة الاحتواء وإدارة الصراع في ظل سياسة “الضغط الأقصى”. 

أنظمة الطائرات المسيّرة المنخفضة التكلفة

تعريف الطائرات المسيّرة: هي منصات جوية غير مأهولة تُدار عن بُعد أو تعمل بصورة ذاتية باستخدام أنظمة ملاحة وتحكم مبرمجة، وتُستخدم في مهام الاستطلاع، والمراقبة، وجمع المعلومات الاستخباراتية، والاستهداف، وتنفيذ الضربات الدقيقة، إضافة إلى مهام الدعم اللوجستي والحرب الإلكترونية. وتختلف الطائرات المسيّرة من حيث الحجم والمدى والقدرات، إذ تشمل نماذج صغيرة مخصصة للاستطلاع التكتيكي، وأخرى متوسطة أو بعيدة المدى قادرة على حمل ذخائر موجهة وتنفيذ عمليات قتالية. وقد أصبحت الطائرات المسيّرة أحد أبرز عناصر الحروب الحديثة، لما توفره من انخفاض في التكلفة التشغيلية، وتقليل المخاطر على الأفراد، والقدرة على تنفيذ عمليات مستمرة بدقة ومرونة في البيئات القتالية المعقدة.

تبدو هذه التفسيرات السابقة منطقية، لكن من منظور العلوم العسكرية، تغفل حقيقةً تكتيكيةً أساسية، تتمثل في أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية تفتقر إلى الأداة المحددة اللازمة لتحقيق نصرٍ حاسم على خصمٍ صامد مثل إيران. وتتمثل هذه الأداة في أنظمة الطائرات المسيّرة المتكاملة منخفضة التكلفة. وعلى النقيض من ذلك، تمكنت كل من أوكرانيا وأذربيجان من إتقان هذا النمط من الحروب الحديثة. فقد استخدمت أوكرانيا تكتيكات الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة للحفاظ على حالة جمود استمرت سنوات في مواجهة الجيش الروسي الضخم، حتى عندما تراجع الدعم الغربي، كما نجحت في توسيع نطاق هجماتها إلى موسكو للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية. وفي المقابل، استخدمت أذربيجان الطائرات المسيّرة التركية الصنع من طراز TB2 لتفكيك الدفاعات الأرمينية وإجبار يريفان على الدخول في مفاوضات.  

يرى كونغ تشان، مؤسس موقع “ANBOUND”: “أن النقطة العمياء الاستراتيجية لدى الولايات المتحدة وحلفائها تتمثل في اعتمادهم العقائدي على منظومات الأسلحة مرتفعة التكلفة، إلى جانب نظرةٍ مؤسساتية تقلل من قيمة البدائل منخفضة التكلفة. فبينما تمكنت القوات الأمريكية والإسرائيلية من فرض سيطرةٍ شبه كاملة على الأجواء الإيرانية، وتحييد الأهداف العسكرية عالية القيمة، فإنها لم تتمكن من السيطرة على الأرض، حيث واصلت القوات الحكومية الإيرانية، والحرس الثوري، وقوات الباسيج، فرض هيمنتها الإدارية”. ويؤكد أن القوة الجوية قادرة على مواجهة الجيوش النظامية المماثلة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل جيشٍ بري حاضرٍ في كل زاوية من أراضي الدولة. وفي الحروب الحديثة، تؤدي الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة دور الامتداد الطبيعي للجندي على الأرض، بما يتيح فرض السيطرة المكانية الشاملة.

ورغم امتلاك الغرب المكونات الأساسية اللازمة لخوض حروبٍ برية غير مأهولة، فإنه لا يزال متأخرًا في دمج هذه القدرات وإنتاجها على نطاقٍ واسع. ويرى الكاتب أن العقيدة العسكرية المستقبلية ينبغي أن تعتمد على نهجٍ متعدد الطبقات، يبدأ بفرض سيطرةٍ جويةٍ مطلقة، ثم استخدام طائرات استطلاع كبيرة تحلق على ارتفاعاتٍ عالية لإطلاق أسراب من الطائرات الهجومية منخفضة التكلفة التي تُدار عبر شبكات تحكم عن بُعد، بما يضمن تغطيةً مستمرة ليلًا ونهارًا في المناطق الحضرية والريفية لتفكيك البنية الإدارية للخصم، مع الحفاظ على سيطرةٍ مكانيةٍ طويلة الأمد عبر إشغال الارتفاعات العالية بمنصات متطورة مرتفعة التكلفة، والارتفاعات المنخفضة بمنظومات منخفضة التكلفة.

يخلص كونغ تشان إلى أن هذا المفهوم لا يزال غائبًا عن الأكاديميات العسكرية التقليدية، مثل أكاديمية ويست بوينت، في حين يجري تطويره داخل قطاعات التكنولوجيا التجارية. ويعكس المأزق الحالي في إيران، بحسب رأيه، اعتمادًا متقادمًا على الثقة المفرطة بالخبرات السابقة، والاعتماد على الاستخبارات الإسرائيلية، والإخفاق في استيعاب ديناميكيات الحرب الحديثة القائمة على الطائرات المسيّرة. وبينما تمثل تطورات الساحة الإيرانية جرس إنذار سيدفع، في نهاية المطاف، برامج التسلح الغربية لا سيما الأوروبية إلى التكيف مع هذا الواقع الجديد، فإن المأزق الاستراتيجي الراهن لا يزال يُفسَّر، في الوقت الحالي، من خلال الخطاب السياسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

قراءة مستقبلية

ـ أن الحروب المستقبلية ستشهد انتقالاً متزايداً من الاعتماد على المنصات العسكرية مرتفعة الكلفة إلى منظومات قتالية مرنة تعتمد على الطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، والحرب الشبكية، بما يعيد تعريف مفهوم التفوق العسكري.

ـ من المرجح ان تواصل ستواصل الدول الإقليمية الاستثمار في الوسائل منخفضة التكلفة التي تحقق تأثيراً عملياتياً واستراتيجياً كبيراً، الأمر الذي يجعل المنافسة في ميدان التكنولوجيا العسكرية والأنظمة غير المأهولة أحد أبرز ملامح بيئة الأمن الدولي خلال العقد المقبل.

ـ حدث الأن تحول ملحوظ في النهج العسكري الأمريكي، يتمثل في توسيع نطاق الأهداف من التركيز على القدرات الصاروخية والمنشآت النووية إلى استهداف البنية العسكرية واللوجستية الإيرانية، بما يشمل مراكز القيادة والسيطرة، ومنظومات الدفاع الجوي، والقواعد البحرية، والبنية التحتية الداعمة للعمليات العسكرية.

ـ يبدو أن هذا النهج يهدف إلى تقليص قدرة إيران على إدارة عملياتها العسكرية وإضعاف وسائل الردع غير المتماثلة، ولا سيما في منطقة مضيق هرمز، بما يحد من قدرتها على تهديد الملاحة الدولية أو تنفيذ عمليات بحرية بواسطة الزوارق السريعة والطائرات المسيّرة والصواريخ الساحلية. وإذا استمر هذا المسار، فقد يعكس انتقال الاستراتيجية الأمريكية من التركيز على الردع المحدود إلى محاولة تقويض القدرات العسكرية التي تمنح إيران هامشاً للمناورة في الخليج العربي، مع بقاء فعالية هذا النهج رهناً بتطورات الميدان وردود الفعل الإقليمية.

ـ من المرجح أن يبقى مضيق هرمز محوراً رئيسياً في معادلة الردع الإقليمي، مع تزايد الاعتماد على أدوات الحرب غير المتماثلة بدلاً من المواجهات البرية الواسعة.

ـ من المتوقع أن تدفع النزاعات الأخيرة الولايات المتحدة والدول الأوروبية إلى تسريع تطوير أسراب المسيّرات، ومنظومات الدفاع المضاد لها، ودمجها بصورة أعمق في العقيدة العسكرية المستقبلية.

Share this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *