“ما أشبه الليلة بالبارحة؛ فقد رحل أبي من حليقات لاجئًا يحمل همَّ أسرته، وبعد أكثر من سبعة عقود وجدتُ نفسي أحمل الهمَّ ذاته، وأواجه السؤال نفسه: كيف نعبر بأهلنا من الخوف والجوع والنزوح إلى برّ الأمان”
ولدتُ في ظلال النكبة الأولى، وكبرتُ وأنا أتقلب في وجوه معاناتها المختلفة. كنت طفلًا في المخيم، أعرف الحرمان قبل أن أعرف معناه، وأرى الفقر في تفاصيل الحياة اليومية قبل أن أتعلم كيف تكتبه الكتب وتشرحه النظريات.
كان أبي قبل نكبة عام 1948 يعيش في كنف والده، الذي كان من وجهاء عائلته وميسوري الحال، وكان بيته من تلك البيوت التي يُقال عنها في التعبير الشعبي: «اسأل تُعطَ»؛ حيث السعة والكرم ومكانة العائلة بين أهلها. لكن النكبة قلبت كل شيء رأسًا على عقب، وتحول الاستقرار إلى اقتلاع، والبيت والأرض إلى ذاكرة، وانتهى بأبي الحال لاجئًا في مخيم الشابورة بمدينة رفح، بعد تهجير عائلتنا من قرية حليقات.
وكما فعل آلاف اللاجئين الفلسطينيين آنذاك، بدأ أبي رحلة البحث عن لقمة العيش، ليقيم أود أسرته ويحفظ لها كرامتها. عمل في كل ما أتيح له من أعمال شاقة، إلى أن وجد وظيفة متواضعة في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، فكانت بابًا من أبواب الستر المؤقت لعائلة فقدت في لحظة عالمها القديم كله.
وظللنا على تلك الحال إلى أن جاءت حرب يونيو/حزيران 1967، بهزيمتها المريرة، ووقع قطاع غزة تحت الاحتلال الإسرائيلي. كبرنا في سنوات الاحتلال، وخرج إخوتي، مثل كثير من شباب القطاع، للعمل داخل إسرائيل. وشيئًا فشيئًا بدأت أحوال الأسرة المعيشية تتحسن، وانتقلنا تدريجيًا من ضيق المخيم وشظف العيش إلى شيء من الاستقرار.
ثم سافرتُ للعمل في دولة الإمارات، ومنها إلى الولايات المتحدة بمنحة دراسية، وأكملت مسيرتي العلمية حتى حصلت على الدكتوراه. ومع تحسن أوضاع إخوتي، وانتشار بعضهم في الخارج، ولا سيما في أمريكا والجزائر، تبدلت أحوال الأسرة إلى الأفضل. ولم يبخل أحد منهم يومًا على العائلة، وظل الجميع يتفقدون أهلهم ويسندونهم، حتى صرنا نعيش – كما يقول التعبير الشعبي – «فوق الريح».
وعندما عدت إلى الوطن بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، وعملت مستشارًا سياسيًا لرئيس الوزراء بدرجة وكيل وزارة، كانت العائلة قد استقرت ضمن الطبقة الوسطى في المجتمع. حسبنا يومها أننا تجاوزنا زمن الخيمة، وأن رحلة أبي الطويلة مع الفقر واللجوء أصبحت ذكرى نحكيها للأبناء والأحفاد.
لكن التاريخ كان يخبئ لنا فصلًا آخر أشد قسوة.
جاءت النكبة الثانية الكبرى، بكل كارثيتها ووحشيتها، لتعيدنا بعد أكثر من سبعة عقود إلى المشهد الأول: النزوح، والخوف، والجوع، وفقدان البيوت، والبحث عن مأوى، والوقوف أمام المجهول.
ومع حرب الإبادة التي أعقبت السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وجدنا أنفسنا، كعائلة، أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية ودينية تجاه أهلنا وأقاربنا وأنسابنا الذين تدفقوا نازحين من شمال القطاع، من بيت حانون وجباليا وغيرها، باحثين عن مكان آمن لا يكاد يوجد، وعن سقف يحمي أطفالهم، ولقمة تسد جوعهم، وجرعة ماء تروي عطشهم.
كنت أكبر إخوتي الذكور، وشعرت أن المسؤولية قد ألقيت على كتفي من جديد، كما ألقيت قبل عقود على كتفي أبي.
فتحنا بيوتنا، وأقمنا في المنتزه المجاور للعمارة التي كنا نسكن فيها مخيمًا للإيواء العاجل. تقاسمنا ما نملك مع النازحين، وحاولنا توفير الطعام والماء وأماكن قضاء الحاجة، وكل ما يمكن أن يحفظ للإنسان الحد الأدنى من كرامته وسط حرب لم تترك للحياة الطبيعية مكانًا.
لم نتردد لحظة في تقاسم ما بين أيدينا مع هذا الزحف من الأقارب والأنساب والنازحين. كنت أرى الأطفال والنساء والشيوخ، فتعود بي الذاكرة إلى حكايات أبي عن نكبة 1948، وأردد بيني وبين نفسي: «ما أشبه الليلة بالبارحة!»
كان أبي يحكي لنا كيف خرجوا من حليقات، وكيف تبدلت حياتهم في لحظات، وكيف أصبح الرجل الذي كان يعيش في كنف عائلة ميسورة لاجئًا يبحث عن قوت أطفاله في مخيم الشابورة. وها أنا اليوم أعيش المشهد نفسه، ولكن بصورة أشد هولًا واتساعًا.
وجدت نفسي في موقع المسؤولية رغمًا عني. شعرت أن أمانة هؤلاء النازحين في رقبتي، وأنه لا مجال، أخلاقيًا ولا إنسانيًا ولا دينيًا، لأن أقول: لست مسؤولًا.
في أوقات الكوارث، هناك من لا يستطيع التفكير إلا بمنطق: «نفسي نفسي»، أما أنا فكان يتردد في داخلي معنى آخر: «يا رب، أمتي أمتي». كنت أتصل بالأصدقاء والإخوة في الخارج، أطلب منهم المساعدة العاجلة، وكثيرًا ما غلبتني دموعي وأنا أشرح لهم حجم المأساة وحاجة الناس إلى الطعام والماء والمأوى.
لم تكن دموع ضعف، بل وجع عجز الإنسان حين يرى حوله مئات المحتاجين، فيما إمكاناته محدودة والمأساة أكبر من قدرة الأفراد والجماعات.
وفي تلك الليالي الثقيلة، كان أبي يحضر بقوة في ذاكرتي.
كان أميًا، لكنه امتلك من حكمة الحياة وصلابة الرجال ما مكنه من أن يعبر بنا بحر الفقر والحرمان، وأن يدفع بأبنائه إلى التعليم حتى بلغوا أعلى الدرجات. لم يكن يحمل شهادة جامعية، لكنه كان يحمل شهادة الحياة، ويعرف أن كرامة الأب أن يبذل كل ما يستطيع كي لا يترك أبناءه فريسة للجوع واليأس.
وكنت أقول لنفسي: إذا كان أبي، وهو الرجل البسيط اللاجئ الذي بدأ من الصفر، قد استطاع أن يعبر بنا تلك المتاهة، فكيف يجوز لي، وأنا أحمل شهادة الدكتوراه وخبرة عمر امتدت لعقود، أن أستسلم أمام هذه النكبة الجديدة؟
لقد عبر أبي بنا النكبة الأولى، وعليَّ اليوم أن أبذل ما أستطيع لأعبر بعائلتي وأهلي ومن حولي من النازحين هذه النكبة الثانية.
إنها دورة مؤلمة من التاريخ الفلسطيني: أب يحمل أبناءه فوق أكتافه بعد نكبة 1948، ثم يكبر أحد هؤلاء الأبناء ليجد نفسه بعد أكثر من سبعين عامًا يحمل أبناءه وأحفاده وأهله وسط نكبة أخرى.
تغيرت الوجوه والأسماء، وبقي الوجع واحدًا.
تغيرت الخيام، لكن معنى الخيمة بقي واحدًا.
تغيرت الحروب، لكن الفلسطيني ما زال يحمل مفتاح بيته وذاكرته وأمله، ويبحث في كل مرة عن طريق للعودة والحياة.
لقد علمتني تجربة أبي أن النكبة، مهما كانت قاسية، لا تستطيع أن تكون نهاية الحكاية. خرج جيل كامل من الخيام، وتعلم أبناؤه، وأصبح منهم الطبيب والمهندس والأستاذ الجامعي والكاتب ورجل الأعمال. استطاع شعبنا أن يحول اللجوء من حكم بالإعدام إلى معركة للبقاء، وأن يبني من تحت الركام حياة جديدة.
واليوم، ونحن نعيش النكبة الثانية، أحاول أن أستدعي ذلك الدرس.
لا أملك إلا أن أظل أعمل ما استطعت، وأن أقوم بواجبي تجاه أهلي وأسرتي ومن حولي من النازحين، وأن نتقاسم لقمة العيش وقطرة الماء، وأن نحفظ ما بقي لنا من كرامة وتكافل، إلى أن يأذن الله لنا بفرج قريب.
قد نعيش في أماكن النزوح لحظات يلامس فيها اليأس القلوب، ويبلغ الضيق مداه، حتى نستحضر المعنى القرآني المهيب: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾، لكن تمام المعنى يفتح نافذة الرجاء: ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾.
وبين «استيأس» و*«جاءهم نصرنا»* مساحة اسمها الصبر، والثبات، والعمل، واليقين.
هذه المساحة هي التي عاشها أبي في النكبة الأولى، وهي التي نحاول أن نعيشها اليوم في النكبة الثانية.
لقد رحل أبي، وبقيت حكاياته تسكن ذاكرتي. ولم أكن أتصور يومًا أنني سأفهم تفاصيل تلك الحكايات بهذا العمق، أو أنني سأعيش بعض مشاهدها بنفسي. اليوم فقط أدرك لماذا كان يكررها، ولماذا لم تسقط تفاصيلها من ذاكرته مهما مرت السنوات.
فالنكبة لا تنتهي حين يتوقف إطلاق النار؛ إنها تبقى وجعًا مقيمًا في الذاكرة، تتوارثه الأجيال حتى يأتي يوم تسترد فيه الأرض والبيوت والحقوق.
وإذا كانت النكبة الأولى قد صنعت من آبائنا رجالًا صلبين، فإن النكبة الثانية، على قسوتها، لن تكون نهاية شعبنا. سيمضي هذا الليل، وسينهض الناس من بين الركام، وستعود المدارس والجامعات والبيوت والشوارع إلى الحياة.
لقد صلب العود، وتجدد اليقين، وما زال في القلب متسع للأمل.
فكما عبر أبي بنا بحر النكبة الأولى، سنعبر – بإذن الله – بحر هذه النكبة الثانية.
وغدًا لناظره قريب .


