العالم لا يغرق في فوضى متعددة الأبعاد، بقدر ما تُشكّل الفوضى نفسها آلية لإدارة النظام الدولي الحالي. فالفوضى ليست عرضًا جانبيًا للتحولات الجيوسياسية، بل هي أداة مُهندَسة بعناية، تُستثمَر في إعادة إنتاج علاقات القوة، وتبرير التدخلات، وهندسة الرأي العام. وعندما تندلع الحرائق في غابات شمال أفريقيا، أو تغرق السيول مدنًا بأكملها، أو تجتاح الفيضانات مناطق زراعية حيوية، فإن السؤال الجيوسياسي الحاسم ليس: لماذا حدثت هذه الكارثة ومن تسبب في حدوثها؟ بل من يستفيد منها؟
في الجيوبولتيك الجديد، وهو منطق دولي لا يُدار فيه التنافس بين الدول فقط، بل تُهندَس فيه البيئة الاستراتيجية ذاتهاعبر الفوضى المُتحكَّم فيها، والكوارث المُستثمَرة، والخوف الموجه لتفكيك الخصوم، وإعادة إنتاج التبعية، وتمرير السيطرة، فتحت غطاء “الطوارئ” تتحوّل الكوارث الطبيعية من صدمات بيئية، إلى أدوات في ترسانة إدارة الفوضى، تُوظَّف لهندسة الرأي العام، وتمرير سياسات السيطرة، وإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية تحت غطاء “الطوارئ” و”الأمن المناخي”. وما نشهده اليوم في شمال أفريقيا، من حرائق غابات الجزائر والمغرب وتونس، إلى فيضانات ليبيا والسودان، ليس مجرد سلسلة من الكوارث المناخية، بل هو جزء من دينامية جيوسياسية أوسع، تُستغلّ فيها هذه الأحداث لمسعى تفكيك الدول وهندسة الخوف، وإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية والدولية.
–الجيوبولتيك الجديد: هندسة الفوضى وتوظيف الكوارث
يشهد العالم تحولًا عميقًا في قواعد اللعبة الدولية، حيث يتآكل النظام الليبرالي القديم، ويُستبدل بمنطق جديد قائم على التنافس الاستراتيجي وهندسة عدم اليقين. في هذا الجيوبولتيك الجديد، الكوارث الطبيعية هي أدوات جيوسياسية تُوظَّف ضمن مخططات “إدارة الفوضى”، والتي لا تعني إدارة فوضى عشوائية، بل اضطراب مُتحكَّم فيه يُضعف الخصوم، ويُربك مؤسساتهم، ويُبرّر تدخلات خارجية.
تتحقّق إدارة الفوضى عبر آليات متعددة: إستهداف تآكل الشرعية الداخلية عندما تفشل الدولة في إدارة الكارثة، وتبرير التدخل الخارجي تحت غطاء “الإغاثة الإنسانية”، وهندسة الرأي العام عبر نشر الروايات المتضاربة والشائعات، وإعادة ترتيب التحالفات، عبر ربط الدول المانحة بالمستفيدة بشبكات تبعية جديدة. وضمن هذا المنطق، تتحوّل الحرائق والسيول والفيضانات، من كوارث بيئية إلى أسلحة جيوسياسية تُستخدم لهندسة الخوف، وإعادة الهندسة الديموغرافية، وتسليح الاستجابة عبر عسكرة إدارة الكوارث.
في شمال أفريقيا، تُستغلّ الحرائق التي تندلع في غابات الجزائر والمغرب وتونس ليس فقط ككوارث بيئية، بل كأدوات لتفكيك الثقة في الحكومات، ونشر الشائعات حول “الفشل الإداري” و”التآمر الخارجي”، وتبرير وجود لوجستي أجنبي تحت غطاء “المساعدة الإنسانية”. وفي ليبيا والسودان، تُستغلّ الفيضانات والسيول لتفكيك السيطرة المركزية، وتمكين الفاعلين غير الدوليين، وخلق موجات نزوح تُستخدم كورقة ضغط في المفاوضات الإقليمية والدولية.
–جيوسياسية الانفعال: هندسة الخوف وتوظيف سياقات الرأي العام
في قلب إدارة الفوضى تكمن “جيوسياسية الانفعال”، وهي استراتيجية تعتمد على هندسة الخوف، وتوظيف السياقات العاطفية التي يمر بها الرأي العام، لتمرير أجندات جيوسياسية، تخدم مصالح قوى تُحرّك الفوضى كسلاح جيوسياسي فتاك. فالكوارث الطبيعية لا تُنتج فقط دمارًا ماديًا، بل تُنتج صدمة جماعية، وغضبًا شعبيًا، وخوفًا وجوديًا، وهذه المشاعر تُستثمَر بعناية، لتفكيك الثقة في المؤسسات، ونشر الروايات المتضاربة، وتوجيه الغضب نحو أهداف محددة.
تعمل جيوسياسية الانفعال عبر آليات دقيقة: استغلال الصدمة الأولية لشلّ القدرة على التفكير النقدي، وتوظيف الخوف لتمرير سياسات استثنائية، تحت غطاء “الطوارئ”، وهندسة الروايات الإعلامية لتحويل الكارثة، من حدث بيئي إلى أزمة سياسية أو أمنية. وضمن هذا السياق تتحوّل الحرائق والفيضانات، من كوارث طبيعية إلى سيناريوهات مُنتَجة للخوف، تُستخدم لتبرير عسكرة الاستجابة،وإعادة ترتيب الأولويات السياسية. وفرض أجندات إقليمية ودولية.
تعرف قوى إدارة الفوضى، سواء كانت دولًا كبرى، أو فاعلين إقليميين، أو شبكات نفوذ عابرة للحدود، أن الرأي العام في لحظات الكارثة، يكون في أقصى درجات الهشاشة العاطفية، وأكثر قابلية للتأثر بالروايات المُهندَسة. لذا، تُستثمَر هذه اللحظات لنشر الشائعات، وتفكيك التماسك الاجتماعي، وتمرير سياسات قد ترفضها المجتمعات في الظروف العادية. وفي هذا المنطق، يصبح الخوف سلاحًا جيوسياسيًاً فتاكًا، يُستخدم ليس فقط لإضعاف الخصوم، بل لإعادة هندسة الوعي الجمعي نفسه.
–مناطق المحور: من الشرق الأوسط إلى شرق أوروبا
تتكبد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، رغم تسجيل عدد أقل من الفيضانات مقارنة بأوروبا، خسائر بشرية أكبر بأربع مرات من غيرها من المناطق الأخرى، مما يعكس هشاشة مؤسسية، تجعلها ساحة مثالية لإدارة الفوضى. فمصر والأردن طوّرتا ما يُسمّى “الريع الإيكو-إنساني”، حيث تُحوَّل أزمات المناخ والنزوح إلى رأس مال جيوسياسي لجذب التمويل والشرعية. أما في اليمن وليبيا وسوريا، فتُستغلّ الفيضانات والجفاف، لتفكيك السيطرة المركزية وتمكين الفاعلين غير الدوليين.
وفي شرق أوروبا، التي تُعدّ ساحة جيوسياسية حساسة حيث تتقاطع الكوارث المناخية مع حرب أوكرانيا والتوترات مع روسيا، تُستغلّ الكوارث لتبرير وجود لوجستي غربي، أو لخلق ضغوط هجرية تُضعف الاستقرار الداخلي. وتستغل فيضانات إسبانيا وحرائق الغابات الأوروبية من قِبل جهات روسية لنشر معلومات مضللة وزعزعة الثقة في الحكومات الأوروبية وإضعاف الدعم الشعبي لأوكرانيا.
من الواضح أن تأثيرات الجيوبولتيك الجديد، تتجاوز المستوى النخبوي وأروقة الدبلوماسية، لتصبح واقعًا يُعاش في الشوارع المُغمورة، والغابات المحترقة، والمدن التي تُهندَس كوارثها، لخدمة أهداف السيطرة والتأثير. وفهم هذا المنطق أضحى بالفعل ضرورة استراتيجية يومية، لكل من يريد رؤية العالم كما هو، لا كما يُروى له.


