إيران وأمريكا على العتبة: الاستعداد لجولة الصراع المقبلة

طهران: علي الموسوي

يعتقد عدد من المراقبين أن المنطقة دخلت مرحلة يمكن وصفها بـ«الوضع العتبي»، حيث تقف إيران والولايات المتحدة، ومعهما مختلف أطراف النزاع، على عتبة مرحلة جديدة قد تفضي إلى مشهد أكثر اشتعالًا. الجميع يدرك أن الهدوء الظاهر قد يكون عابرًا، وأن تطورات مقبلة يمكن أن تحدد مسار المرحلة المقبلة.
إيران، وفق هذا التقدير، تقف على حدّ لا يمكن معه التنبؤ بدقة بالسيناريوهات المحتملة. ولذلك فإن الأولوية في هذه المرحلة هي الحفاظ على الجاهزية، وإدراك أن أي غفلة قد تكون مكلفة. فاختيار الخصم للسيناريو الذي سيتبناه، سواء كان أكثر صعوبة أو تعقيدًا، يرتبط بدرجة كبيرة بمستوى اليقظة الإيرانية، والاستعداد، والقدرة على الرد، ومدى الاستقرار الداخلي.
كلما ظهرت إيران ومحور المقاومة في صورة أكثر ضعفًا، أو شكّ الخصم في إرادتهما وقدرتهما على الرد، ارتفعت احتمالات اختيار سيناريوهات أكثر صعوبة. أما إذا اقتنع الخصم بأن كلفة أي إجراء ستكون مرتفعة، وأن العائد المتوقع منه محدود، فقد يتجه إلى خيارات أكثر تعقيدًا، وليس بالضرورة أكثر اعتدالًا. وفي كل الأحوال، لا تبدو المواجهة مع إيران خارج حسابات الخصم في المرحلة الراهنة.

الضغط الاقتصادي واختبار الجبهة الداخلية
منذ منتصف أوت الماضي، وبعد طرح ما عُرف بـ«حزمة الطرد الاقتصادي» التي ارتبطت بتحركات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، اتجهت واشنطن إلى استخدام أدوات الضغط الاقتصادي بهدف التأثير في البيئة الداخلية الإيرانية وخلق اختلال في التوازن الذي تسعى إليه.
لكن هذا المسار، وفق التقديرات الأمريكية، لم يحقق حتى الآن الاختراق الذي كانت واشنطن تراهن عليه.
فالأوضاع الداخلية في إيران، رغم الصعوبات الاقتصادية والعقوبات، ظلت إلى حد كبير تحت السيطرة. وتمكنت السلطات الإيرانية من المحافظة على قدر من الاستقرار والتعامل مع التداعيات الجديدة للعقوبات، فيما أظهر جزء واسع من المجتمع، بحسب تقارير ايرانية، قدرة على استيعاب الضغوط ومراعاة مصالح البلاد وأمنها واستقرارها.
وهنا يبرز مفهوم يمكن وصفه بـ«الردع الداخلي»، أي قدرة الدولة على منع الضغوط الخارجية من التحول إلى عامل حاسم في زعزعة الاستقرار الداخلي.
ومع ذلك، فإن صانع القرار الإيراني لا يستبعد احتمال حدوث اضطرابات داخلية، لكن الرهان الإيراني، بحسب هذه القراءة، يقوم على أن أي محاولة لإحداث مثل هذه الاضطرابات لن تجد بالضرورة البيئة الشعبية التي تسمح لها بتحقيق أهدافها.

وكانت إدارة ترامب تراهن، وفق هذا التصور، على أن تؤدي حزم العقوبات والضغط الاقتصادي إلى إحداث اضطراب داخلي. وقد شملت الإجراءات الجديدة قطاعات مرتبطة بالنفط، وتشديد العقوبات وملاحقة الكيانات التي تساعد إيران على الالتفاف عليها. إلا أن النتائج، حتى الآن، لم تكن بالسرعة أو بالحجم الذي افترضته بعض التقديرات الأمريكية.

طهران وإدارة جديدة للصراع
في المقابل، يذهب عدد من المراقبين إلى أن إيران حاولت فرض إدارة جديدة للصراع من خلال مجموعة من الإجراءات المضادة، بدل الاكتفاء بالتعامل مع الضغوط بوصفها أزمات منفصلة.
ويشمل ذلك، وفق هذه القراءة، تغيير قواعد اللعبة في اليمن، والتأثير في سوق النفط العالمية، والحفاظ على قدر من الاستقرار الداخلي، إلى جانب الضغط على البيئة السياسية الداخلية الأمريكية وعلى إسرائيل.
وبذلك، لم تسمح طهران، حتى الآن، بتحويل الضغوط الاقتصادية والسياسية إلى اختراق حاسم في الداخل الإيراني.
وهذه النقطة أساسية في فهم المرحلة المقبلة: فالصراع، وفق هذا المنظور، لم يعد يدور فقط حول قدرة طرف على توجيه ضربة إلى الطرف الآخر، وإنما حول قدرة كل طرف على إدارة تداعيات الضربة وتحويلها إلى مكسب سياسي أو استراتيجي.

العامل الأمريكي والانتخابات
في الجانب الأمريكي، تقترب إدارة ترامب من محطة سياسية مهمة تتمثل في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. ويشير هذا السياق إلى وجود نافذة زمنية حساسة تتحرك فيها الإدارة الأمريكية تحت ضغط الاعتبارات السياسية والاقتصادية الداخلية.
وتذهب بعض التقديرات إلى أن ترامب يواجه ضغوطًا داخلية مرتبطة بسياساته الخارجية وتأثيراتها الاقتصادية والسياسية، وأن هذه الضغوط يمكن أن تدفعه إلى البحث عن إنجاز خارجي، ولو كان رمزيًا، يمكن تقديمه للرأي العام الأمريكي باعتباره نجاحًا سياسيًا.
ومن هنا تبرز فرضية احتمال اتخاذ قرار بعملية جديدة ضد إيران، أو أن تبادر إسرائيل إلى تحرك عسكري في هذا الاتجاه.
لكن طهران، وفق هذا السيناريو، تستعد لمثل هذا الاحتمال، وتسعى إلى تحويل أي مواجهة جديدة، إذا وقعت، من تهديد إلى فرصة لإعادة رسم قواعد الردع.

لماذا قد يقترب قرار المواجهة؟
الفرضية الأساسية حسب عدد من المراقبين هي أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تنظران إلى نتائج المواجهات السابقة باعتبارها لم تحقق كامل الأهداف التي كانتا تتطلعان إليها. ومن هذا المنطلق قد يظهر اتجاه إلى محاولة اختبار الحظ مرة أخرى، سواء عبر ضربة عسكرية مباشرة أو عبر أدوات التخريب والضغط الداخلي.
بالنسبة إلى ترامب، يمكن أن يمثل تحقيق إنجاز، ولو محدودًا أو رمزيًا، في الملف الإيراني مكسبًا سياسيًا يمكن توظيفه داخليًا قبل انتخابات الكونغرس.
أما إسرائيل، فتبدو – وفق هذه القراءة – أكثر اهتمامًا بإعادة اختبار أدوات الضغط والتخريب ومحاولات التأثير في الداخل الإيراني.
وبالتالي، قد تكون نقطة البداية مختلفة، لكن الهدف النهائي، بحسب هذا التصور، يلتقي عند محاولة تغيير معادلة الصراع مع إيران.

نافذة زمنية حساسة
تتحدث بعض المعلومات المتداولة في دوائر متابعة للملف، عن محاولة الإدارة الأمريكية خلال فترة قصيرة تثبيت بعض المؤشرات الاقتصادية والمالية، وعلى رأسها أسعار الذهب والدولار والنفط، وما يرتبط بها من تأثيرات على أسواق المشتقات والسندات الأمريكية.
وبحسب هذا التقدير، فإن واشنطن قد تنظر إلى الفترة السابقة للانتخابات باعتبارها نافذة زمنية حساسة، تراقب خلالها مدى استقرار المؤشرات الاقتصادية وقدرتها على تحمل تداعيات أي تصعيد مع إيران.
لكن حتى في حال حدوث تحرك عسكري خلال هذه الفترة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة نهاية الصراع. بل قد تكون هناك محاولة لإعادة ترتيب المواجهة بعد الانتخابات والدخول في جولة أكثر اتساعًا.
ومن هنا تأتي إحدى أهم النقاط التي يطرحها المقال: **يجب ألا تسمح إيران للخصم بأن يحدد وحده زمان ومكان المواجهة الرئيسية المقبلة.

السيناريو النووي وجبل كلنك
في هذا السياق، يبرز سيناريو استهداف موقع جبل كلنك باعتباره أحد السيناريوهات التي يضعها ترامب ضمن أهدافه المقبلة وأنها تستحق التعامل معها بجدية، وبإصراره في تصريحاته على التأكيد أن إيران يجب ألا تمتلك سلاحًا نوويًا.

ومن هذا المنطلق، قد تحاول الإدارة الأمريكية تقديم أي ضربة مرتبطة بالبرنامج النووي باعتبارها إنجازًا استراتيجيًا، خصوصًا إذا استطاعت تسويقها للرأي العام الأمريكي على أنها منعت إيران من الاقتراب من امتلاك سلاح نووي.
لكن السؤال الأهم، وفق المعطيات السابقة، لا يتعلق فقط بحجم الضربة الأمريكية المحتملة، وإنما بطبيعة الرد الإيراني عليها.
فإذا وقعت ضربة تستهدف منشأة أو مكونًا أساسيًا من البرنامج النووي، فإن الرد الإيراني، بحسب هذا التصور، لن يكون بالضرورة ردًا محدودًا، بل قد يتجه إلى تغيير قواعد الاشتباك وربما إلى إعادة النظر في بعض محددات العقيدة النووية الإيرانية.

تغير قواعد الردع
تمتلك إيران اليوم قدرات وإرادة ومعلومات تسمح لها، في حال اندلاع حرب جديدة، بتوجيه ضربات دقيقة وواسعة وطويلة الأمد إلى أهداف أمريكية، وأن الوضع لم يعد كما كان في المواجهات السابقة، وأن الخبرات المتراكمة خلال السنوات الماضية غيّرت من طبيعة الحسابات العسكرية والسياسية.
وخير مثال على ذلك الهجمات التي وقعت في أوت الماضي على مواقع أمريكية في الأردن، والتي رافقتها روايات متباينة حول حجم الخسائر. وبينما أكدت الإدارة الأمريكية اعتراض عدد كبير من الصواريخ، تحدثت روايات أخرى عن سقوط قتلى وأضرار طالت منشآت وطائرات، مع استمرار الخلاف حول الحجم الحقيقي للخسائر.
وتشير هذه التطورات، وفق دوائر ايرانية، إلى أن أي مواجهة مقبلة لن تكون نسخة من المواجهات السابقة، وأن الطرفين باتا يدركان أن القدرة على توجيه الضربة لا تعني بالضرورة القدرة على التحكم في مسار الحرب بعد بدايتها.

الحرب المقبلة: جولة أخرى أم تغيير لقواعد اللعبة؟
الحرب المقبلة، إذا اندلعت، ينبغي أن تكون – من وجهة النظر الإيرانية – حربًا حاسمة في أهدافها، حتى وإن لم يتحقق هذا الهدف بالكامل على أرض الواقع.
فالمسألة، بالنسبة إلى هذه الرؤية، لا تتعلق فقط بصد هجوم جديد، وإنما بإعادة تشكيل معادلة الردع نفسها.
ومن هذا المنظور، فإن استمرار إسرائيل في ممارسة ما يراه الايرانيون تهديدًا للأمن الإيراني يجعل الوصول إلى أمن مستدام أمرًا بالغ الصعوبة، وأن الانتقال إلى مرحلة جديدة من الردع يتطلب توجيه ضربة قادرة على تغيير الحسابات الإسرائيلية.

وبالتالي، إذا اندلعت الحرب المقبلة، فإن الصراع مع إسرائيل، بحسب هذه القراءة، سيكون عنصرًا مركزيًا فيها، وليس مجرد جبهة جانبية.
في النهاية، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية: لا حرب شاملة في الوقت الراهن، ولا استقرار حقيقي، وإنما سلسلة من الضغوط والرسائل والاختبارات المتبادلة.
والسؤال الذي يبقى مفتوحًا ليس فقط: هل ستندلع مواجهة جديدة؟ بل أيضًا: من سيكون قادرًا على فرض شروطها، وتحديد زمنها، والتحكم في مسارها بعد بدايتها؟، وهنا تكمن أهمية المرحلة الحالية بالنسبة إلى إيران وخصومها على حد سواء.

Share this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *