نيويورك: أحمد عزيز
تتحول نيويورك، اعتباراً من اليوم، إلى عاصمة للدبلوماسية الدولية، ففي مقر الأمم المتحدة تبدأ المناقشة العامة رفيعة المستوى للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، في لحظة دولية تتقاطع فيها الحروب والأزمات الإقليمية وأمن الطاقة وإصلاح النظام الدولي، بينما يبحث قادة العالم عن مساحات للحوار وسط تراجع الثقة في قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على إدارة الأزمات.
وتجمع «الأسبوع رفيع المستوى» رؤساء الدول والحكومات ووزراء الخارجية وكبار المسؤولين من مختلف أنحاء العالم. وتستمر المناقشة العامة من 22 إلى 26 سبتمبر، ثم تستأنف في 28 سبتمبر، فيما تعقد خلال الأسبوع نفسه اجتماعات رفيعة المستوى حول التنمية والمناخ، وارتفاع مستوى سطح البحر والوقاية من الأوبئة، وغيرها من القضايا الدولية.
وتكمن أهمية هذه المناسبة في أن الجمعية العامة لا تمثل مجرد منصة لإلقاء الخطب السنوية؛ فهي واحدة من اللحظات النادرة التي يجتمع فيها معظم الفاعلين الدوليين في المكان نفسه، بما يسمح بتحويل الخطاب العلني إلى سلسلة واسعة من الاتصالات والمفاوضات الثنائية والمتعددة الأطراف.
لافروف ــ روبيو: لقاء بين طرفي مواجهة دولية
ويترقب المتابعون الاجتماع المتوقع بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في نيويورك غداً الأربعاء، وأكد مسؤول في الخارجية الروسية أن اللقاء مقرر في 23 سبتمبر، مشيراً إلى أن موسكو لا ترفض الاجتماعات مع ممثلي الدول الغربية إذا وردت طلبات بذلك، مع مراعاة جدول أعمال الوزير الروسي.
وتكتسب هذه المحادثة أهميتها من كونها تجمع مسؤولين يمثلان دولتين تقفان على طرفي واحدة من أكثر الأزمات الدولية تعقيداً، هي الحرب الروسية الأوكرانية والتي قد تجر بعض الدول الأوروبية الى ساحة المواجهة المباشرة مع موسكو.
أردوغان يدعو الى الغاء “حق الفيتو”
وفي موازاة الملفات الساخنة، فتحت تركيا من خلال الرئيس رجب طيب أردوغان النقاش حول مستقبل النظام الدولي نفسه، فقد دعا أردوغان إلى إلغاء حق النقض في مجلس الأمن، وإعادة النظر في نظام العضوية الدائمة، معتبراً أن تركيز سلطة القرار في عدد محدود من الدول لم يعد يتناسب، من وجهة نظره، مع التحولات التي شهدها العالم.
واقترح أن يتم انتخاب جميع أعضاء مجلس الأمن لفترات محددة من قبل الجمعية العامة، بدلاً من النظام الحالي القائم على العضوية الدائمة للدول الخمس وامتلاكها حق النقض.
وتعيد هذه الدعوة إلى الواجهة واحداً من أقدم الأسئلة التي تواجه الأمم المتحدة: كيف يمكن لمؤسسة تأسست في أعقاب الحرب العالمية الثانية أن تعكس توازنات عالم تغيرت بصورة جذرية؟
واللافت أن هذا النقاش يأتي في دورة اختارت «استعادة الثقة» عنواناً لها، ما يجعل إصلاح المؤسسات الدولية جزءاً من النقاش الأوسع حول مستقبل التعددية الدولية.
الجزائر: الدبلوماسية الثنائية في قلب المشاركة
وبالنسبة إلى الجزائر، تبدو اللقاءات الثنائية التي يجريها وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية أحمد عطاف، جزءاً أساسياً من الحضور الجزائري في نيويورك.
فإلى جانب المشاركة في أشغال الجمعية العامة، شملت لقاءاته نظراءه من البرتغال والدنمارك وبلغاريا واليونان وقبرص، إضافة إلى رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف.
وهذه اللقاءات تكشف بوضوح أن الدبلوماسية الجزائرية لا تتعامل مع الجمعية العامة باعتبارها مناسبة للخطاب فقط، وإنما كفرصة لتوسيع شبكة التشاور الثنائي والمتعدد الأطراف.
مع البرتغال، جرى بحث التعاون والشراكة والتحضير للاستحقاقات الثنائية المقبلة.
ومع الدنمارك وبلغاريا وقبرص، كان ملف تطوير العلاقات الثنائية والتعاون في المجالات المختلفة حاضراً، إلى جانب العلاقات بين الجزائر والاتحاد الأوروبي.
أما المحادثات مع وزير الخارجية اليوناني جورج جيرابيتريتيس، فتناولت، إلى جانب التعاون الثنائي، آفاق الزيارة المرتقبة للوزير اليوناني إلى الجزائر، وفرص الشراكة والاستثمار في مجالات تشمل البنى التحتية والطاقة المتجددة وإدارة الموارد المائية والنقل البحري.
وفي المقابل، حضرت قضية اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي في أكثر من لقاء، خصوصاً ما يتعلق بالعوائق التي تواجه الصادرات الجزائرية إلى السوق الأوروبية، وهي مسألة تحمل بعداً اقتصادياً يتجاوز الإطار البروتوكولي للقاءات.
من أوروبا إلى إفريقيا
كما التقى السيد أحمد عطاف، برئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، السيد محمود علي يوسف، الذي يعكس البعد الإفريقي في التحرك الجزائري.
وقد تناول الجانبان الأوضاع في منطقة الساحل والصحراء وليبيا والصحراء الغربية والسودان وجنوب السودان، إلى جانب التحديات المرتبطة بالإرهاب والجريمة العابرة للحدود.
ومن خلال هذا المسار، تطرح الجزائر رؤيتها القائمة على معالجة جذور الأزمات ورفض التدخلات الخارجية، مع الدفع باتجاه حلول إفريقية للمشكلات الإفريقية وتفعيل آليات الاتحاد الإفريقي.
أزمة الثقة… والسؤال الأكبر
لكن كل هذه الحركة الدبلوماسية تجري تحت عنوان واحد: استعادة الثقة، وتقر الأمم المتحدة نفسها بأن العالم يواجه أزمات متشابكة، وأن الدورة الـ81 تهدف إلى تعزيز التعاون الدولي وإعطاء دفع للعمل الجماعي من أجل السلام والتنمية والمساواة.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة العناوين، وإنما في قدرة الدول على تحويلها إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ.
فالأمم المتحدة تضم 193 دولة عضواً، لكل منها صوت واحد في الجمعية العامة، ما يجعلها المنبر الأشمل للنقاش الدولي. لكن آليات اتخاذ القرار، وخصوصاً في مجلس الأمن، تظل مرتبطة بتوازنات القوى الكبرى وحق النقض.


